الإثنين, 09 مارس 2020 12:29

"الظلامية" و"الأصولية"..حتى قانون الأحوال الشخصية يريدون إسقاطه لتكتمل التبعية مميز

كتب بواسطة :

المطالبة بإسقاط قانون الأحوال الشخصية والمساواة بين الرجل والمرأة في كل المسائل والقضايا، ومنها أصوات نادت، أمس، في تظاهرة العاصمة بهذا، قصة طويلة تمتد بعض جذورها، تاريخيا، إلى الأزمنة المتأخرة من العهد العثماني، فقد انتقل التأثر بالغرب من الإجراءات والنظم الإدارية وأنواع التحديث في الوسائل إلى القوانين والتصورات..فالشعب الثائر في واد، يخوض معركة السيادة والشرعية، وهم في واد آخر معاكس، أوفياء لأمراضهم وعمقدهم ونزواتهم.

ومع أنهم تأثروا بنا كثيرا في قانونهم المدني (الفرنسي في أصوله الرومانية)، واستعان نابليون بمختصر الشيخ خليل في الفقه المالكي في سن القوانين المدنية الفرنسية زمن حملته على مصر في أواخر القرن التاسع عشر (وبعض النصوص مترجمة حرفيا من المدونات الفقهية المالكية)، إلا أن الفقه القانوني المُقتبس من الغرب، عندنا وعند كثير من البلاد العربية، تطور من مجرد الأدوات إلى العقائد والأفكار والتصورات، والمطالبة بإسقاط الأحوال الشخصية لأنه مستمد في أكثره من الشريعة (وهو الجانب الوحيد تقريبا الذي يُستمد من أحكام الشريعة في أكثره وليس كله)..حتى صارت الحركة النسوية عندنا تطالب صراحة بالتسوية المطلقة (في المواريث وغيرها) وإسقاط قانون الأحوال الشخصية؟؟

وعلى عكس الوضعية العامة للقوانين في خلال عقود من التحول التي انتهت بحالة تغريب شبه كاملة، ظل قانون الأحوال الشخصية يتطور في خط مواز للقانون العام وليس على الخط نفسه، وظل على مرجعيته الإسلامية، في كثير منه.. وهؤلاء من تيار يفتقد الوجهة السليمة في النظر إلي تاريخ المجتمع الجزائري وتطوره، فهو يبدأ من مسلمة وافدة من الخارج تقول: إن الدين لا صلة له بالسياسة ثم يحاكم عليها المجتمع وتاريخه..وهذه دعوى غربية لا تصمد في مجتمعنا الجزائري الأصيل.

ومشكلة الحركة النسوية العلمانية "المتطرفة" في أنها تصدر عن مرجعية غريبة تفقدها الإحساس بالواقع والنظر السليم إلى الأصول الحاكمة لتاريخ وثقافة شعب ومعايير الاحتكام لديه.. وهي عملية سلخ لتاريخ البلد ترى أجزاء من الشجرة دون أن تراها في كمالها وتعدد فروعها.

ومرجعية الإسلام يعني أن على الدولة حين تضع سياستها أن تراعي كون مرجعيتها وهويتها الحضارية إسلامية وأن يكون النظام العام الذي تنص عليه القوانين مشمولاً بقيم الإسلام وما تتوافق عليه الجماعة طبقًا لهذه القيم، وكذلك الحال تدبير مصالح الناس أخذًا بالاعتبار أن الهوية الحضارية إسلامية، إذ لا ينفصل دين الدولة عن مرجعيتها التي تحدد هويتها. والخبرة الغربية سلبية في هذا الشأن وهي متأثرة بطبيعة المسيحية.. فجزء من المسيحية أنها ذات قرار ومن ثم سلطة دينية يمكن أن تتمدد ومن ثم ينبغي تحجيمها.. وهذا غير موجود في الإسلام، فالإسلام قائم على فكرة الاجتهاد وأن القول بالدليل وأنه ليس هناك قرار ديني .. حتى الفتوى هي اجتهاد وليست قرارا دينيا.

وربما من أهم أسباب تحبيذ الأنظمة للعلمانية هو أنها تريد إرادة مطلقة في صياغة كل شيء، وهي تعلم أنها إذا أعلنت تقيدها بالإسلام سيقيدها ويحد من إرادتها المطلقة.. وظاهرة الدين في الدساتير ليست خاصة بالمسلمين، وكون الدولة تنص على مواد تتعلق بالإسلام، لا يعني أن الدولة "إسلامية"، كما يروج تيار متعصب في الحركة النسوية المعادية لقانون الأحوال الشخصية، وأورد باحثون أنه "في دساتير 193 دولة في العالم، وفي دراسة على مدار العامين السابقين والمواد المتعلقة بالدين، هناك تنصيص على الديانة، غير الإسلام، في كثير من الدساتير..ومن بين الأمثلة، المادة 62 من دستور آيسلندا، والتي تحدثت عن الكنيسة اللوثرية (فرع من المسيحية)، وهذا البلد من أعرق الدول الديمقراطية، وكذلك الأمر في الدنمارك والنرويج..".

وصور قائد الأركان بالنيابة، أمس، مع تصريحه المستفز بأنه "في خلال سنوات مكافحة الإرهاب والأصولية، وعندما تكاتفت القوى الظلامية للاستيلاء على بلادنا، كانت النساء الجزائريات من أولى ضحايا الإرهاب الهمجي"، لا تبتعد كثيرا عن مطالب الحركة النسوية المتطرفة علمانيا، وفي كلامه إجمال، لكن فيه تحرش ضمني بالتوجه المحافظ الغالب على الشعب الجزائري..

ففي ألفاظ "الأصولية" و"القوى الظلامية" ما يوحي بتوجه معاد أو على الأقل مخاصم لما هو محافظ ومتمسك بأصول بلده وانتمائه ومرجعيته، وهذه ألفاظ تُستعمل، في الغالب، من الطبقة الحاكمة، بعسكرييها ومدنييها، لهذا الغرض، وربما في الصور التي نشروها للاحتفال بيوم المرأة العالمي ما يشير إلى ذلك، إذ لم تظهر ولا صورة امرأة بالحجاب، هذا ما لاحظه معلقون ومراقبون، فالتصريح من أحد كبار القادة في السلطة يصب في مصلحة مطالب ودعاوى الحركة النسوية المعادية لقانون الأحوال الشخصية لأنه مستمد في أكثره من أحكام الشريعة، وهذا ربما يشير إلى أن مثل هذه التوجهات تعكس قناعات بعض كبار المسؤولين في أعلى هرم السلطة.. فربما تجمعها التصورات الفكرية والثقافية أكثر مما تجمعهما السياسة.

قراءة 339 مرات آخر تعديل في الإثنين, 09 مارس 2020 13:49