الثلاثاء, 05 ماي 2020 04:48

كيف استخدم الاستعمار الفرنسي آثار الطاسيلي للسيطرة على الصحراء الجزائرية مميز

كتب بواسطة : عبدالله كمال / صحفي ومدون

في فترة الخريف من كلّ سنة، يتّجه السيّاح من كل أنحاء العالم لزيارة منطقة طاسيلي الواقعة في قلب الصحراء الجزائريّة، قاصدين لوحة رسمها الإنسان القديم على جدران كهفه قبل آلاف السنين، تظهر فيها بقرة تنزل الدموع من أعينها. وقد أثار لغز "البقرة الباكية" العديد من علامات الاستفهام حول المغزى من هذا الرسم، إذ يقول المرشدون السياحيون في المنطقة إنه قبل آلاف السنين جاء راعٍ برفقة قطيعه من البقر إلى المنطقة قاصدًا بركة الماء ليشرب منها قطيعه، فلمّا وجد البِركة قد نضبت، بدأت أبقاره بالبكاء من شدّة العطش، وقد صوّر هذا المشهد الاستثنائي على جدار كهفه ليبقى شاهدًا على هذه الحادثة على مر العصور.

في منطقة طاسيلي جنوب الجزائر، وفي قلب الصحراء الكبرى، تبدو تكتّلات من صخور البركانية داكنة اللّون، على شكل قمم صخرية كعمارات قديمة مهجورة، إلاّ أن تشكيلها الجيولوجي يرجع إلى عمليّة التعرية التي تتسبّب فيها الرياح والعوامل الطبيعية الأخرى؛ وتعرف هذه القمم باسم "الغابات الحجريّة". وسط هذه "الغابات" توجد كهوف تُخفي أسرار الإنسان القديم الذي سكن المنطقة، وأرّخ لتلك الفترة السحيقة من خلال رسومات تركها على جدران هذه الكهوف؛ وهو ما حوّل هذه المنطقة المهجورة التي لا يصل إليها بشر بسبب تواجدها وسط الصحراء القاحلة، إلى مزار للسيّاح والباحثين من مختلف أنحاء العالم. لكن هذه الرسوم الصخريّة لن تروي فقط قصّة الإنسان القديم وكيف عاش قبل التاريخ، بل ستُصبح آثار الطاسيلي مِحور صراع ثقافي وسياسي بين فرنسا الاستعمارية والشعب الجزائري التائق للتحرّر في خمسينات القرن الماضي.

في البداية، ينبغي الإشارة إلى الأهميّة الاستثنائية لآثار طاسيلي بالنسبة للبعد الحضاري للجزائر، إذ يمكن اعتبارها بلا مُبالغة بنفس أهميّة الأهرامات المصرية أو المعابد الإغريقيّة، فهي تؤرّخ للوجود البشري في الصحراء الجزائريّة قبل 12 ألف سنة، وبالتالي هي معلم تاريخي مهمّ لجذور الشعب الجزائري الذي سكن هذه الأرض وأقام فيها تجمّعات بشرية وحضارات قديمة ضاربة في عمق التاريخ.

منطقة "صِفار" التي تحوي آثار طاسيلي، يعتبرها الباحثون أكبر متحف طبيعي مفتوح في العالم، إذ تتضمّن كمًّا هائلًا من آثار الإنسان القديم ورسوماته ونقوشه التي خلّدها في جدران هذه الكهوف، وتضمّ رسومًا لكائنات بشرية مع أبنائها، وأخرى لحيوانات لا تسكن عادة الصحراء كالزرافات، والفيلة، والغزلان، والجواميس وغيرها، بالإضافة إلى أدوات الصيد، ورسومات غامضة يرجّح البعض أن تكون صورًا للآلهة بالإضافة إلى الحاشية التي تنتشر حولها؛ وقد ساعدت هذه الرسومات الباحثين على تتبّع تاريخ الصحراء الكبرى ودراسة الحضارات القديمة التي كانت تسكن تلك المنطقة الجرداء حاليًا، إذ استندوا على هذه الرسوم للاستدلال بأن الصحراء الكبرى كانت مهدًا لتجمّعات بشرية كبيرة في السابق، كما أن بيئتها كانت غنية بأشكال الحياة المتنوّعة من الحيوانات والنباتات.

تطرح آثار الطاسيلي أسئلة أكثر ممّا تقدّم أجوبة، إذ يتساءل الباحثون عن مصدر الطلاء الذي رسم به الإنسان القديم ليبقى واضحًا طوال كل هذه السنين، وبالرغم من العوامل طبيعية كالأمطار، وقد اختلف الكثير من علماء الآثار حول مغزى تركّز تلك اللوحات الصخرية في تلك المنطقة بالذات وعن تاريخ الحضارة البشرية التي عاشت في تلك المنطقة قبل آلاف السنين، وبسبب غموض بعض الرسومات ورموزها الغريبة، ذهب بعض المستكشفين إلى تفسيرات خوارقيّة لها، من بينها نظريّة المخلوقات الغريبة، وقارّة أطلنتس الغامضة. وتعاني هذه الآثار التي بقيت شاهدة على الوجود الإنساني في عمق الصحراء الجزائريّة والمصنّفة تراثًا عالميًا من طرف "اليونيسكو" من التخريب والإفساد من طرف بعض السيّاح والمغامرين، إذ يرسم البعض بالطلاء فوق هذه الرسومات التاريخيّة أو يدوّنون أسماءهم فوق الصخور؛ في مقابل تقاعس السلطات أحيانًا عن حماية هذا الإرث الإنساني الفريد.

كان عِلم الآثار سلاحا في يد الاستعمار/ لكن السؤال المنطقي الذي يُطرح: من الذي اكتشف آثار الطاسيلي؟ إلى من يعود الفضل في اكتشافنا لهذه الآثار الانسانيّة المذهلة التي تعدّ بعدًا رئيسيًا من الأبعاد الحضارية التي تشكّل تاريخ الأمة الجزائريّة؟ هنا يبرز دور الاستعمار في التحكّم في السردية التاريخية للشعوب وتحريفها، واستعمال الأدوات العلمية والثقافية لتكريس هيمنته على الشعوب المستعمَرة، فأغلب المقالات الصحافية والبرامج الوثائقية والكُتُب، تنسب اكتشاف هذه الآثار إلى الأنثروبولوجي الفرنسي هنري لاوتي (Henri lhote).

في سنة 1958 -والتاريخ هنا مهمّ- أصدر عالِم الآثار الفرنسي "هنري لاوتي" كتابًا سيصنع ضجّة كُبرى في العالم، وجاء الكتاب بعنوان «À la découverte des fresques du Tassili par Henri Lhote» أو "اكتشاف المصوّرات جصيّة في الطاسيلي"، ويضمّ الكتاب لأوّل مرّة صورًا وتفاصيل اكتشافات الرسوم الموجودة في كهوف منطقة طاسيلي، وقد سوّقت المؤسسة الثقافية والسياسية الفرنسية هذا الكتاب باعتباره أوّل وأضخم كشف لهذه المنطقة التي كانت «مجهولة تمامًا» في السابق، واعتبرته فتحًا علميًّا وثقافيًا غير مسبوق في العالم، ربّما يضاهي اكتشاف الأهرامات.

لكن الغريب هو أنّ الكاتب لم يذكر أبدًا جهود عديد من الباحثين والمستكشفين الأوروبيين الذين سبقوه إلى تلك المناطق وقاموا بتدوين رسومات المنطقة ونشرها قبله بسنوات؛ فأوّل بحث حول هذه الرسومات يرجع على الأقلّ إلى سنة 1850 للمستكشف الألماني هانريش بارث، وبعده العديد من المستكشفين الأوروبيين، وقبل هؤلاء جميعًا: السكّان الطوارق الجزائريون الذين ينسب إليهم الفضل في اكتشاف هذه الرسومات وإرشاد المستكشفين الأوروبيين إليها. فهل الأمر متعلّق بمجرّد سرقة علميّة، أم أن للأمر أبعادًا سياسية أعمق؟

يشير عالم الأنثروبولوجيا البريطاني جيريمي كينان، في كتابه «the lesser Gods of the Sahara» إلى الخلفيات السياسيّة الاستعماريّة التي رافقت نشر كتاب "هنري لاوتي"، والاحتفاء الفرنسي غير المسبوق بالكتاب وترجمته إلى العديد من اللغات. يذكر كينان أنّ هنري لاوتي كان قد نشر من قبل بحثًا حول رسومات الطاسيلي في أحد المؤتمرات سنة 1952، وقد ذكر في تفاصيل البحث الجهود التي سبقته للمستكشفين الأوروبيين؛ فما الذين تغيّر بين سنتيْ 1952 وسنة نشره للكتاب 1958؟ إنها الثورة الجزائريّة، ففي 1956 وأثناء انطلاق الرحلة البحثية التي قادها "هنري لاوتي" إلى منطقة الطاسيلي، كانت الثورة الجزائريّة في أوجّ عنفوانها.

وكان الحاكم الفرنسي في الجزائر، وأحد أكثر المتحمّسين لبقاء الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي، جاك سوستال، قد جرى تغييره من منصبه ونقله إلى باريس لمهام أخرى، وقد شهد موكب مغادرته الجزائر مظاهرات محتدّة من طرف الأوروبيين الذين رفضوا مغادرته بسبب خطّه العنيف ضدّ الثورة الجزائريّة. "جاك سوستال" سيكلّف بعد ذلك بمهمّتيْن رئيستين متعلّقتين بالصحراء، وذلك من أجل إبقائها تحت السيطرة الفرنسيّة: الأوّل تعيينه "وزيرًا للصحراء والشؤون النوويّة" من أجل الإشراف على تجارب القنبلة النووية التي أقامتها فرنسا في الصحراء الجزائريّة؛ والثاني، وهو الأخطر: إشرافه على البعثة "العلميّة" لهنري هاوتي في اكتشافه لمنطقة الطاسيلي المكتشفَة من قبل.

يقول "كينان" في كتابه إنه ليس من قبيل الصُدفة أن بعثة "هنري لاوتي" قد تزامنت مع اكتشاف النفط في الصحراء الجزائريّة سنة 1957، بالإضافة إلى احتياج فرنسا للصحراء لإجراء تجاربها النوويّة، وتعنّت جبهة التحرير الوطني الجزائريّة في المفاوضات التي كانت تطالب فرنسا خلالها بالاحتفاظ بالصحراء مقابل استقلال الشمال، الأمر الذي رفضته جبهة التحرير الوطني. وبالتالي يرى كينان أنّ بعثة هنري لاوتي، وكتابه الذي يزعم من خلاله اكتشاف منطقة الطاسيلي: "قد وفّر للفرنسيين غطاءً ثقافيًّا لمشروعهم الإمبريالي والعنصري المتمثّل في "الجزائر الفرنسيّة"، إن نشر هذا الكتاب سنة 1958 جاء لتعزيز "فرنسية الجزائر" والتأكيد على "حقوق فرنسا الثقافية" حصرًا في الصحراء الجزائر، باعتبار أن فرنسا وحدها من يكتشف كنوزها الثقافيّة، ولذلك أغفل الكتاب عمدًا أي ذكر لاكتشافات الباحثين الألمان أو السويسريين الذين سبقوا هنري لاوتي إلى هذا الكشف، ناهيك عن السكّان الطوارق الأصليين".

يقول "جورج كتورة" في مقدّمة ترجمة كتاب "الأنثروبولوجيا والاستعمار" للكاتب الفرنسي جيرار كيرك: "إنه العصر الاستعماري الكلاسيكي، عصر البحث عن مستعمرات، عن أسواق وعن يد عاملة وعن مواد خام وعن زبائن جدد يشترون صناعات غير متوفّرة في أرضهم. والاستعمار هذا لم يكن عسكريًا وحسب. إنه لا يدرّس في كتب التاريخ ولا في حوليات الأمم والشعوب والدول: بل كان استعمارًا كانت الثقافة بعض أسلحته، وربما أحيانًا السلاح الأمضى".

قضيّة آثار طاسيلي واستغلالها من طرف الاستعمار الفرنسي لتكريس هيمنته على الصحراء الجزائريّة، يُعيد إلى الأذهان موضوع العلوم الانسانية باعتبارها أحد الأدوات التي استعملها الاستعمار لإخضاع الشعوب. فقد استخدمت الدوائر العلميّة المرتبطة بالاجهزة الحربية الاستعماريّة العلوم الإنسانية كالأنثروبولوجيا (عِلم دراسة الإنسان وثقافته وعاداته..إلخ) والإثنوغرافيا (علم ثقافة الأعراق والأجناس المختلفة وتصنيفاتها) والإثنولوجيا (علم يدرس الأعراق وأصولهم وهِجراتهم التاريخية وغيرها)، من أجل تكريس هيمنتها على الشعوب المستعمَرة، والتأكيد على تخلّف هذه الشعوب ووجودها في آخر مستويات التطوّر البشري؛ ومؤكّدة على رسالة الحملات الاستعمارية الدمويّة التي تقول بأن الهدف من الاستعمار كان إخراج هذه الشعوب من تخلّفها وإلحاقها بركب التقدّم والتطوّر الأوروبي.

  *المقال ينشر بالاتفاق مع موقع "ساسة بوست"

قراءة 180 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 05 ماي 2020 05:01