الجمعة, 08 ماي 2020 21:28

صياغته منافية لأي تحول "ديمقراطي"..الدستور لإسباغ الشرعية على حكم القهر السياسي مميز

كتب بواسطة :

الدستور هو نظام قانوني، وهو يسبغ الشرعية على واقع قائم أو يحسر الشرعية عن واقع فاسد، وهو ييسر وجود ما هو مطلوب ويعوق ظهور ما يراد تجنبه... والتعامل مع عملية صياغة دستور جديد، يلزمه بلورة فلسفة دستورية معمقة، تعكس الأوضاع الاجتماعية المستجدة التي أفضت بالحاجة إلى إصدار هذا الدستور الجديد.

فعملية وضع الدستور، ليست مجرد مهمة صياغة لعدد من النصوص في قوالب تبدو ظاهريا قانونية. وإنما تراعي: الأصول الجمعية التي يستقيم عليها كيان المجتمع  ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا وسياسيا. وبذلك، يصير الدستور الجديد في صيغته النهائية ملبيا لغالب طموحات هذا المجتمع بجميع هيئاته، التي يتطلع إليها أفرادا وجماعات، بحيث يصبح تعبيرا حقيقيا لجوهر مصالح هذا المجتمع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

والدستور يلزمه حوار مجتمعي معمق، وهو الغائب الأبرز في هذا الدستور الذي يعبر عن إرادة سلطة المتغلب المتغول المهيمن، وما يستوقف المراقب في هذا الخصوص، تلك الخفة التي جرى بها تناول الأبواب الأساسية الأولى من الدستور. وفكرة "الدستور أولا"، التي سوقت لها سلطة الأمر الواقع، تفتقد المنطق، ومنبعها التخوف من أي تحول سياسي حقيقي، لأنهم ليسوا بذوي تأييد شعبي، وهم يفرَون دائمًا من مسألة الرجوع إلى الشعب، لأنهم يعرفون مقدمًا أنهم ليسوا على شيء ولا وزن لهم. وكل ما يجرى الآن، من دستور وغيره، لا تقوم به شرعية دستورية ولا شرعية سياسية، ولا يشارك الأحرار الشرفاء فيما هو غير معتد بشرعيته من حيث المبدأ. ومشروع الدستور حدث سياسي وليس عملا قانونيا..

ومن خلال قراءة تجارب بعض دول التحول الديمقراطي (ومنها البرازيل وبولندا)، يمكن استخلاص مجموعة من المبادئ الدستورية، وكلها مفقودة في دستور سلطة الأمر الواقع عندنا، ولعل أهمها:

1- الانتخاب شرط أساسي في الجهة المكلفة بصياغة الدستور. 2- عملية صياغة الدستور هي نتاج مسار تفاوضي وتشاركي، وذلك انطلاقًا من أن المشاركة الشعبية هي إحدى أهم الضمانات اللازمة لنجاح مسار صياغة الدستور، ولهذا من الضروري وجود إرادة سياسية حقيقية قادرة على الانفتاح على الآراء المخالفة والتحاور الجدي لبلوغ التوفيقات وتجنب الأزمات. 3– التوافق أهم شروط عملية صياغة الدستور، فالعبرة ليست بالفترة الزمنية التي تستغرقها المرحلة الانتقالية للانتهاء من صياغة الدستور وإتمام عملية التحول، إنما تكمن في مدى قدرة الفاعلين السياسيين على توفير بيئة سياسية تتسم بقدر كبير من التوافق بدلاً من الصراعات..

والتجربة البولندية خير مثال على ذلك، حيث استغرقت عملية صياغة الدستور النهائي 8 سنوات (1989 - 1997)، وذلك بعدما تغلبت القوى السياسية على الخلافات التي انتابت عملية الصياغة نفسها. 4-ضرورة وضوح الفلسفة الأساسية التي يستند إليها الدستور، إذ اتسمت عملية الصياغة في تجارب التحول الديمقراطي بوضوح الهدف، وكذلك الفلسفة التي يستند إليها الدستور، فقد ارتكزت على فلسفة أساسية مفادها "كيفية تلافى الدستور الجديد أخطاء الماضي"، ولهذا شدد الدستور البرازيلي، مثلا، على مفهوم الدولة المدنية، وأهمية تحجيم دور المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية، نتيجة تجربة البرازيل السلبية مع النظام العسكري. 

ويمكن القول، في الأخير، إن مسار التحول الديمقراطي ودوافعه قد أثرا كثيرا على عملية صياغة الدستور بشأن تجارب التحول الديمقراطي، فمن الناحية الإجرائية، اتفقت التجارب على أهمية انتخاب الجهة المكلفة بصياغة الدستور، بحيث تكون ممثلة لجميع أطياف الشعب مع التأكيد على أهمية وصول الأطراف الفاعلة في النظام السياسي الجديد إلى قدر من التوافق العام مهما تطول المدة (كما هو الحال مع التجربة البولندية). ومن الناحية النصية جاءت نصوص مواد الدساتير انعكاسًا لدوافع عملية التحول نفسها (التخلص من حكم عسكري)، مستندة إلى فلسفة كيفية تلافى أخطاء الماضي ومنع تكرارها.

قراءة 275 مرات آخر تعديل في السبت, 09 ماي 2020 03:27