الإثنين, 11 ماي 2020 06:11

تغيير العقيدة القتالية للجيش يغرق البلاد في متاهات "عسكرة" السياسة مميز

كتب بواسطة :

تضمنت مُسوَدة الدستور الجديد، الذي قوبل برفض واسع، نصا يتيح للجزائر "المشاركة في عمليات إحلال واستعادة السلام في المنطقة ضمن اتفاقيات ثنائية مع الدول المعنية، باقتراح من رئيس الجمهورية وبعد الحصول على موافقة البرلمان".

يرى مراقبون في هذا تغيرا في العقيدة القتالية للجيش الجزائري الذي ظل متمسكا لعقود من الزمن برفض التورط في أي عمليات خارج حدود بلاده. وتعتبر عقيدة القتال في الجيوش أهم ما فيها، وليس السلاح، وليس التدريب، وليس أي شيء آخر، لأن الأساس المعنوي "الأخلاقي" للقتال هو الذي يحدد للجندي في المعركة القضية التي يحارب من أجلها ويعرض نفسه للموت في سبيلها.

والعقيدة القتالية للجيش هي التي تفرق بين الجيوش المنظمة، وغيرها، وهي التي تفرق بين المناضل المجاهد، وبين البندقية المعروضة للإيجار لأعلى سعر. وكثير من الجيوش تبدأ بعقيدة قتالية حقيقية، ثم يطرأ عليها التحول أو تتشعب بها المسالك والسبل أو تغمرها اهتمامات بعيدة عن قضيتها الأساسية. ولا بد أن تكون العقيدة القتالية أمرا مجمعا عليه بين أبناء الوطن، وإذا لم يحدث ذلك فقد يهدد هذا تماسك الجيش وتظهر فيه التكتلات والمصالح المتضاربة.

ولهذا، فإن تغيير العقيدة القتالية للجيوش أمر شديد الخطورة، ولذلك حاولت كثير من الدول العظمى تغيير العقيدة القتالية لجيوش أعدائها، وكان ذلك بديلا عن الحرب، فحين حصل ذلك وجدنا أسلحة هذه الجيوش تتجه إلى صدور الإخوة والأصدقاء والحلفاء، وتهدم بيوت أبناء الوطن، في وقت ينعم فيه المتربصون بالسلام والاستقرار، وكل ذلك بفضل خدمات مجانية يقدمها هذا الجيش لأعدائه، وكأنها عملية تحطيم ذاتي للوطن ولجيش الوطن.

والعقيدة القتالية ليست أمرا معقدا، بل هي رسالة بسيطة، شديدة البساطة: حماية الأرض والعرض من أي غازٍ معتدٍ، وإن خضعت (العقيدة القتالية) للحسابات السياسية والتأثير الخارجي، فسيكون هذا وبالا على البلد برمته ويجر عليه المهالك والكوارث. وربما اقترن تغير في العقيدة القتالية للجيوش العربية في الفترة الأخيرة، وخاصة في سنوات الربيع العربي، مع تنامي التأثير الإقليمي للإمارة الأكثر عدوانية وتورطا في إشعال الحروب في البلاد العربية، ونعني بها "الإمارات"، كما شاهدنا في مصر واليمن وليبيا في الفترة الأخيرة، ووصل نفوذها الخطر إلى التأثير في العقيدة القتالية لجيوش هذه الدول، وأصبح يُتعامل معها  كما لو أنها ميلشيات.

**

وثمة توتر عسكري سياسي قديم لدينا في عالما العربي والإسلامي، وكان الإشكال دائما: كيف يمكن تكوين جيش قوي قادر على صد الاعتداءات الأجنبية دون أن يقوم هذا الجيش باستغلال هذه القوى الكبيرة في السيطرة على الحكم والسياسة..ويعبر عنها بعض الباحثين المتمين بسؤال: كيف يمكن أن تكون هناك هيمنة مدنية على الحكم وفي الوقت ذاته فعالية للجيش؟

وتدخل الجيش المباشر في السلطة يجعل الجيش ذاته هو أول الضحايا وعسكرة المجتمعات تكون عادة نتيجة التوغل وتضخم السيطرة العسكرية على الحياة..وأكثر ما يهدد الأوطان أن يكون مصدر شرعية الحاكم اختيار الجيش له، وهذا يضعف مؤسسات الحكم ويجعلها تابعة لسلطة العسكر خاضعة لتوجهاته والنافذين فيه ويغرق الجيش في لعبة السياسة وحساباتها وتكتلاتها.

والسؤال المحير اليوم: كيف تخرج الجيوش من لعبة السياسة وصراعات السلطة، مع ملاحظة أنه لا توجد سيطرة مدنية كاملة على الحكم. وفي هذا، برى باحثون أن العسكريين لا يخرجون بإرادتهم، وإنما يُدفعون دفعا إلى ذلك وتسهيل انسحابهم من السياسة وشؤون الإدارة المدنية للبلاد، ولا يتحقق هذا إلا بانتقال الحكم من العسكريين إلى سلطة مدنية منتخبة بعيدا عن وصاية العسكر وتأثيرهم الطاغي، وقد لا يتحقق هذا إلا ببروز رأي عام ضاغط يدفع نحو هذا التحول والانتقال للحكم.

قراءة 289 مرات آخر تعديل في الإثنين, 11 ماي 2020 06:21