طباعة هذه الصفحة
الإثنين, 08 جوان 2020 11:53

"داعش" في إفريقيا... نهاية "استثناء الساحل" مميز

كتب بواسطة : وسيم نصر / صحفي بارز في قناة "فرانس 24" متخصص في الجماعات المسلحة

تنافش هذه المقالة استثناءين: الأول هو الغياب الطويل للمواجهة بين فروع تنظيم القاعدة و"داعش" في منطقة الساحل. والثاني، مسؤول منتخب (مالي) يجري مفاوضات مع فرع تابع للقاعدة. كلاهما يشكل "استثناء الساحل". انتهى العامل الأول، باقتتال بين القاعدة و"داعش"، لكن العامل الثاني لا يزال قائماً. سيستمر تنظيم القاعدة وداعش في التطور على الرغم من التدخل الفرنسي المكثف في منطقة الساحل.

وغياب السياسات التي تعالج المظالم المحلية وفك الارتباط الأمريكي الذي يلوح في الأفق من أفريقيا سيشجع كلا المجموعتين ويوسع نطاق أعمالهم في منطقة الساحل والقارة.

* القاعدة و"داعش":

مسارات متباعدة في المعركة نفسهافي أكتوبر 2015، تعهد عدنان أبو الوليد الصحراوي، وهو ناشط مسلح من المغرب، إلى جانب عديد من رجاله من المرابطون، تعهد بالولاء لخليفة "داعش" السابق أبو بكر البغدادي. تسللت "داعش" إلى منطقة الساحل (الحزام الجغرافي الممتد جنوب الصحراء الكبرى)، ولم يلاحظها أحد تقريبًا.

في الوقت نفسه، كانت القاعدة في بلاد المغرب تخطط للعودة من خلال توحيد عدة مجموعات متفرقة في شمال ووسط مالي، وبلغت ذروتها في تشكيل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) في أوائل مارس 2017، وكانت القاعدة قد تبنت هجمات في مناطق بعيدة، مثل واغادوغو، عاصمة بوركينا فاسو، وغراند بسام في كوت ديفوار.نفذت القاعدة عمليات في منطقة الساحل في وقت كانت فيه "داعش" تركز كل الاهتمام في مناطق أخرى من العالم.

وللمرة الأولى، ترأس شخصية سياسية، إياد أغ غالي، وهو زعيم قبلي بارز من الطوارق وقائد متمرد منذ فترة طويلة، جماعة نصرة الإسلام. وانضم إليه في القيادة جمال عكاشة (المعروف أيضًا باسم يحيى أبو الهمام)، وهو قائد عسكري جزائري مخضرم، والأهم محمد كوفة، وهو شخصية دينية مالية ثانوية معروفة بين مجموعة الفولاني العرقية. وأكد "غالي" أوراق الاعتماد المحلية للتمرد المستمر للطوارق، ووفر عكاشة صلة بالقاعدة، وأعطاها الكوفة امتدادًا جنوبًا إلى وسط مالي وما وراءها من خلال تعزيز التجنيد بين سكان الفولاني.وقد شهدت الجماعتان المسلحتان العابرتان للحدود نموًا مطردًا ومتوازيًا.

وعلى الرغم من الادعاءات بأن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب و"داعش" كانا يتعاونان، لم يكن هناك أي دليل على التعاون التنظيمي بين المجموعتين. العلاقات الأسرية والقبلية قوية بين القادة والمجندين، لذلك كانت هناك درجة من التسامح، وربما حدث بعض التنسيق على المستوى الشخصي والمحلي. ومثل هذه الأنماط لم ترق أبداً إلى "التعاون" بين القاعدة وداعش في منطقة الساحل.وأشار مسؤولون أمريكيون ومحليون إلى هجمات قاتلة "معقدة" تشير إلى أن المجموعتين عملتا معًا.

لكن تعقيد الهجمات، عكس التحسينات في التنسيق بين المهاجمين، سواء كانوا ينتمون إلى JNIM أو ISIS، الذين كانوا قادرين على مفاجأة القوات المحلية غير المستعدة في الغالب وقيادة سيئة. تعرضت منشأة "إينيتس" العسكرية في النيجر للهجوم أكثر من مرة، مما يشير إلى ضعف القيادة والتحضير.

وطوَرت القاعدة و"داعش" تصنيع الأجهزة المتفجرة المرتجلة، وكذا القدرة على المناورة من حيث الاستهداف، وإمكان القيادة والسيطرة. ولا تزال هذه الجماعات النسلحة تستخدم الأساليب التقليدية لدعم إطلاق النار بقذائف الهاون والرشاشات الثقيلة، حيث ترسل مهاجمين انتحاريين إما سيرًا على الأقدام أو في مركبات محملة بالمتفجرات، ويتبعها بقية المهاجمين بمجرد اختراق الدفاعات الأولى.

وحتى الآن، استخدمت جماعات العنف طائرات من دون طيار لأغراض الدعاية، فقط، والاستخدام الوحيد لصاروخ موجه مضاد للدبابات مسجّل هو طلقة فاشلة في النيجر خلال هجوم "داعش" الأول على Inates في جويلية 2019.

* نهاية منطقة لا اشتباك:

قبل بضعة أشهر، كانت منطقة الساحل هي المنطقة الوحيدة التي ينمو فيها كل من القاعدة و"داعش" بشكل مطرد دون الدخول في مواجهة كاملة، وهو استثناء انهار تمامًا في أبريل الماضي. يشبه تطور تنظيم "داعش" في منطقة القاعدة في الساحل العديد من ملامح تطوراته في أجزاء أخرى من العالم، حيث لا يشير غياب الاشتباكات إلى التعاون، إذ غلبت الاعتبارات القبلية أو المحلية أو الشخصية، كما كان الحال في اليمن أو سوريا في المراحل الأولى من بناء نفوذ "داعش" قبل اندلاع الاشتباكات الكاملة....

لقد انتهى هذا "الاستثناء" تدريجياً. كان يمكن أن يسير الوضع إما على الطريقة اليمنية، مع اندلاع الاشتباكات بعد وفاة قادة بارزين لهم علاقات شخصية على الجانبين، أو على الطريقة السورية، من خلال السعي إلى الهيمنة على الموارد المحلية المحدودة، أو مزيج من الاحتمالين. وقد سارت الأمور في نهاية المطاف على الطريقة الصومالية: كما فعلت حركة الشباب، اتخذت قيادة القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي قرارًا ببدء قتال لمنع "داعش" من إنشاء معقل مستقر في أكثر مناطقها حيوية....

* نظرة "داعش" للمفاوضات الرسمية مع القاعدة:

ما كان في السابق سرا ظهر في العلن في 10 فبراير، عندما أعلن الرئيس المالي، إبراهيم بوبكر كيتا، في "فرانس 24" أن المفاوضات مع شخصيتين مسلحتين، من قيادات جماعات العنف، في شمال ووسط مالي، غالي والكوفة، أبرز قائدين للجماعة الدموية، لم يشاركا في المحادثات ولكن سيتم الترحيب بهما. جاء هذا الإعلان بعد أيام من قمة "باو" التي دعا فيها (الرئيس الفرنسي) ماكرون إلى "تصحيح الأمور مع قادة G5" (G5 في منطقة الساحل، وتتكون من بوركينا فاسو ومالي وموريتانيا والنيجر وتشاد) حول التورط الفرنسي في منطقة الساحل.

ونتيجة لقمة باو، حددت الدول المعنية هدفًا لجهود مكافحة الإرهاب: "داعش" في منطقة الحدود الثلاث بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر. وكشف الرئيس المالي عن مفاوضات مع فرع القاعدة بموافقة فرنسية ضمنية، مع العلم أن الإدارة السابقة للرئيس فرانسوا هولاند كانت ضد مثل هذه المفاوضات. ولفرنسا هدفان من دعم المحادثات: تحويل المزيد من القوات بعيدًا عن القتال ضد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، والتركيز على محاربة "داعش" المتنامية، وإحداث صدع من شأنه أن يدفع المسلحين المتشددين الأكثر تطرفًا في الجماعة إلى الانضمام إلى "داعش"....

وأعلنت رسميا جماعة JNIM، أقوى وأخطر جماعة مسلحة في منطقة الساحل، ببيان وافق على المفاوضات من دون شروط مسبقة باستثناء مطلب "رحيل القوات الفرنسية المحتلة". لكن إدراكًا لحالة "عدم الثقة" التي يمكن أن تجلبها هذه المفاوضات على الجماعة، عززت حركة JNIM الهجمات في خطوة واضحة لطمأنة صفوفها. وقد استخدمت حركة "طالبان" في أفغانستان إستراتيجية مماثلة عندما كانت المفاوضات على الطاولة: القتال في أثناء الانخراط في المحادثات.

ودفع قبول JNIM بالمفاوضات، بالعديد من مجنديها، الأكثر تطرفا، إلى الانضمام إلى صفوف "داعش" من قبيلة الفولاني في مالي والنيجر، وهي القبيلة نفسها التي زودت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بالمجندين من قبل....

* احتمال مزيد من العنف:

جماعة JNIM قوية ومتجذرة ومستعدة للتفاوض، على الرغم من أنها لا تزال تقاتل القوات الحكومية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، ولا تزال هدفًا للقوات الفرنسية. من الناحية المؤسسية، يقترب تنظيم القاعدة في بلاد المغرب من القضايا والمظالم المحلية، بطريقة أكثر براغماتية وبنوع من "القومية" الجديدة في خطابه. فقبل بضع سنوات، كان من غير المتصور رؤية العلم المالي أو الجزائري في إنتاج رسمي للقاعدة. قد تكون "مكاسب" طالبان على الساحة الدبلوماسية شجعت أعضاء القاعدة الذين يدعون إلى نهج محلي أكثر للجهاد، مع مراعاة التفاعلات والمفاوضات المحلية والابتعاد عن فكرة "معركة ملحمية لا تنتهي".

تُوجَه مجموعة G5 جهودها نحو اجتثاث "داعش"، التي تعتبرها أكبر تهديد، بينما تأمل في استنزاف عدد من المسلحين الأكثر تطرفًا في JNIM وتدفعهم إلى الانضمام إلى "داعش"، وبالتالي إضعاف كلا المجموعتين. وإذا تم احتواء ISIS، فإن G5 ستحول بالتأكيد تركيزها مرة أخرى إلى جماعة JNIM. في موازاة ذلك، تبذل الحكومات جهودًا لتشجيع الصدام بين المجموعتين إما من خلال استهداف القادة المسلحين من كلا الجانبين أو من خلال العديد من عمليات التأثير النفسية التي تتم على المستوى المحلي.

ولكن كما هو الحال في المسارح الأخرى، يتم اتخاذ عدد أقل من الاحتياطات بشأن المدنيين على الأرض، وتقوم القوات الحكومية بتسليح الميليشيات المحلية بشكل عشوائي، مما يزيد من انتهاكات حقوق الإنسان التي تحدث بالفعل على أيدي تلك القوات. ويؤجج هذا الوضع حملات التجنيد في كل من "داعش" وعبر الحدود، إذ تحصل على المزيد والمزيد من المجندين المحليين، ولكن لا يزال لديها قادة من دول مختلفة. ولن يكون من الصعب تحقيق تواصل جغرافي بين الصومال ومنطقة البحيرات في تشاد والساحل وحتى ليبيا بالنسبة لجماعات العنف المسلح إذا استمر الوضع في التدهور.

ومن دون تغيير السياسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المعالجة للمظالم الشعبية، فإن العنف سيستمر.

** رابط التقرير الأصلي: https://cgpolicy.org/articles/isis-in-africa-the-end-of-the-sahel-exception/

قراءة 406 مرات آخر تعديل في السبت, 13 جوان 2020 09:53