الإثنين, 08 جوان 2020 18:21

رفع الأسعار وتبني سياسات التقشف...الإفقار المتزايد للطبقة المتوسطة مميز

كتب بواسطة :

يتزايد في أوقات الأزمات المالية والاقتصادية وأيضا السياسية الحديث عن تآكل الطبقة المتوسطة لحث الحكومات على إيجاد حلول سريعة تفاديا لازدياد الطبقة الفقيرة وانتشار الجريمة وتردي الأحوال المعيشية. والطبقة الوسطى هي المحرك الرئيسي للاقتصاد، منتجا ومستهلكا، وهي "الترمومتر" الذي يمكن به قياس الرأي العام. ومع ذلك هناك صعوبة في تحديد هذه الطبقة، ويمكن القول إن الطبقة الوسطى قد تكون تلك الفئة التي تعتمد على الوظيفة أو عمل خاص يدر دخلاً متوسطاً.

وتهميش هذه الطبقة يعني الخلل الاجتماعي والسياسي، ومواجهة الاضطرابات السياسية الداخلية. وأكثر شريحة سكانية في غالبية المجتمعات هي الطبقة الوسطى، كما إنها الأكثر تأثيراً في الجوانب الاجتماعية والسياسية، وغالبية هذه الطبقة هم موظفون في الدوائر الحكومية، وحرفيون، وعاملون، وهي الطبقة التي يزداد عددها أو نسبتها في مجموع السكان، وهي من أكثر الفئات تضررًا بالسياسات التقشفية، حيث تتضرر بشكل كبير من تراجع الدعم السلعي، وارتفاع الأسعار، بالإضافة إلى الآثار السلبية المرتبطة بتباطؤ النمو، وزيادة معدلات البطالة، خاصةً بين الفئات الأكثر تعليما.

وتُعد النسبة الأكبر من الطبقة المتوسطة من ذوي الأجور الثابتة، ومن ثم فإن قدراتهم محدودة على التعامل مع زيادات الأسعار وتراجع الدعم الحكومي نتيجة السياسات التقشفية المتبناة من جانب الحكومات. ويبرز التخوف الأكبر من أن تؤدي تلك السياسات التقشفية إلى دفع الطبقة المتوسطة إلى المستويات الأدنى.

كما إن تراجع أو تآكل الطبقة المتوسطة نتيجة الآثار السلبية للسياسات التقشفية يُلقي بظلال قاتمة على معدلات النمو والطلب والاستهلاك في الاقتصاد. فارتفاع الأسعار المبالغ فيه نتيجة تحرير سعر الصرف، وزيادة أسعار المحروقات، بالإضافة إلى فرض ضرائب جديدة مثل القيمة المضافة، والتي تتحمل العبء الأكبر منها الطبقة المتوسطة، قد يؤدي في مجمله إلى تراجع القوة الشرائية للطبقة المتوسطة التي يُنظر إليها على أنها من أكثر الفئات استهلاكًا مقارنةً بالطبقات الأغنى وكذلك الأفقر، مما ستكون له تأثيرات سلبية شديدة على معدلات النمو والطلب في الاقتصاد، وهو ما يؤدي إلى انكماش سوق السلع الاستهلاكية والخدمات، وسيطرة الركود على التعاملات الاقتصادية.

ولا يرتبط تراجع القوة الشرائية للطبقة المتوسطة على الطلب على السلع الاستهلاكية فحسب، وإنما الأخطر هو امتداد التأثيرات السلبية لتدهور الدخول الحقيقية لهذه الطبقة ومستوى معيشتها إلى قدرتها على الإنفاق على الخدمات الاجتماعية الأساسية مثل التعليم والصحة.

وعلى الرغم من النصيب الكبير الذي تُسهم به الطبقة المتوسطة في الإيرادات الضريبية التي تمول الخدمات الحكومية في تلك المجالات، فإن هذه الطبقة لا تستفيد بشكل كبير أو فعلي من الضرائب التي تتحملها. ولهذا، قد تلجأ إلى خفض إنفاقها على المجالات الاجتماعية بسبب تدهور أجورها وارتفاع الأسعار.

وتزايد تآكل الطبقة المتوسطة قد يلقي بتهديدات سياسية، لأن حدة الأضرار التي تعرضت لها جراء السياسات الاقتصادية التقشفية قد يجعل هذه الطبقة أميل للمخاطرة بقبول خيار التغيير المكلف مقارنةً بالاستمرار في خيار "الاستقرار الهش" الذي يدفعها إلى الانزلاق إلى الطبقة الأدنى والأفقر.

ويرتبط ذلك الأمر أيضًا بالنظرة إلى الطبقة المتوسطة على أنها تمتلك قدرة عالية على التحرك الجماعي مقارنة بغيرها، وقد برز ذلك بوضوح في الثورات العربية التي كان للطبقة المتوسطة تأثير حاسم، والحراك الشعبي الجزائري قام أساسا على الحضور المكثف للمحتجين من الطبقة الوسطى.

وفي دراسة أُجريت قبل 7 سنوات، أي في 2013، ظهر أن 27% من الطبقة الوسطى في الجزائر باتت مهددة بالفقر. ذلك أن غلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية بالنسبة للطبقة الوسطى عاملان يعجلان باتساع نطاق الفقر على حساب دائرة ميسوري الحال.ويتخوف خبراء من عدم صمود الطبقة الوسطى أمام الصدمة التي تعرّض لها الاقتصاد الجزائري جراء تراجع أسعار النفط وما يدره، وكذا فشل السلطة وسياساتها من تقليل تبعيتها لصادرات الطاقة، وهذا ما جعلها تعتمد أيضاً على زيادة الضرائب لسد العجز الذي خلّفه تراجع الإيرادات النفطية، فضلا عن فشل المحاولات الترقيعية المستنزفة.

قراءة 103 مرات آخر تعديل في الإثنين, 08 جوان 2020 18:35