الإثنين, 15 جوان 2020 17:54

"محاد قاسمي".. من النضال ضد الغاز الصخري إلى مواجهة النظام القهري مميز

كتب بواسطة : د.رضوان بوجمعة / أستاذ الإعلام

"لم الخوف على أدرار؟ أنا على يقين أنها كلما ابتعدت عن السلطة اقتربت إلى الوطن"..هذا آخر منشور لمحاد قاسمي على جداره في الفيسبوك، يوم 8 جوان بعد منتصف الليل، ساعات قليلة قبل إلقاء القبض عليه وإيداعه الحبس المؤقت اليوم بتهمة ثقيلة، هي الإشادة بالإرهاب، بسبب منشور يحمل صورة لأستاذ جامعي يسمى عبد السلام طرمون، قال عنه "محاد" إنه حمل السلاح بسبب التهميش، وإن السلطة تتحمل مسؤولية التهميش ودفع الناس إلى التطرف وحمل السلاح، وهو كلام قد لا يساوي أي شيء أمام تصريحات كثير من السياسيين في التسعينيات، فحتى الحكيم عبد الحميد مهري كان يقول حول سياسة الاستئصال والكل الأمني: "هناك في الجزائر معارضة مسلحة يساندها جزء من الشعب"..

المنشور الأخير لمحاد قاسمي حول الخوف على أدرار، كان واضحا بأنه وجه ضد شبكات المصالح في أدرار التي تستخدم العروشية ومريدي الزوايا للدفاع عن السلطة ورجالاتها، وهو ما لم يعجب هذه الشبكات فسارعت بالضغط من أجل اعتقاله والتخلص من شاهد حق يقلق شهود الزور والجور، مناضل واجه شبكات بوتفليقة في أدرار وهي الشبكات نفسها التي تعمل لتبون وللنظام الذي جاء به وبغيره...قاسمي محمد بن عبد الرحمان، هذا هو الاسم الكامل لمحاد، ولد في زاوية بودة أدرار في 11 ديسمبر 1975، وهو أب لثلاثة أولاد، يحترف مهنة الحدادة، فهو صاحب ورشة حدادة ورثها عن والده، وهي المهنة التي تعرف بها كل العائلة.

وقد بدأ محاد عمله في المجال العام من العمل الخيري، فهو جزائري أصيل يتألم لفقر الفقراء وينتفض ضد عنف وتجبر الأغنياء، لذلك قاد في التسعينيات وسنوات ألفين عدة عمليات خيرية في مدينته وفي الكثير من المناطق المجاورة لها.في سنة 2011، فتح محاد حسابا على فايسبوك وبدا يعبر عن مواقفه السياسية، فشبكات التواصل الاجتماعي تقلص المسافات وتقرب بين آراء ومواقف الجزائريين والجزائريات، التي تحاصرها أجهزة "البروباغندا".

أدرار تبعد عن العاصمة أكثر من 1400كلم، لذلك كان الخروج عن أدرار صعب ومكلف على كل الاصعدة، أول خروج لمحاد عن تراب أدرار كان سنة 2011، في سن 38سنة، حيث تنقل إلى باتنة للمشاركة في اجتماع لشباب ضربوا موعدا للنقاش حول الوضع السياسي، وهو سفر كان مهما في حياته لأنه أخرجه من العزلة التي فرضتها منظومة الحكم التي تريد أن يعيش الجزائريون والجزائريات في قيطوهات مغلقة حتى يسهل التحكم فيهم.بعد هذا السفر، انتقل محاد من العمل الخيري إلى العمل الاجتماعي الاحتجاجي، فقد انخرط في أكبر حركة اجتماعية في الجنوب وهي جمعية الدفاع عن البطالين سنة 2012، وكان أحد قيادييها، بالرغم من أنه لم يكن بطالا، لذلك كان يقول دوما في تدخلاته الإعلامية بأنه ليس باحثا عن العمل وإنما باحثا عن العدل والمواطنة، فهو الحداد الذي ظل يحلم لجزائر لا يحكمها منطق الحديد والنار...

* "محاد"...كان طفلا وتبون واليا على أدرار وسجينا وهو رئيس..

"محاد" في كل كتاباته على الفيسبوك جد متوازن، فهو لا يسب ولا يشتم، لأنه يتبنى السلمية منهجا.أصبح محل متابعة من البوليس السياسي منذ أن بدأ رحلة النضال ضد استغلال الغاز الصخري، وهو الذي حصل على تفويض سكان عين صالح للحديث باسمهم. هذه المهمة جعلته يقطع مئات الكليمترات في كل المناطق المعزولة في جنوب الجزائر الشاسع.. شارك في المسيرات المناهضة للعهدة الرابعة لبوتفليقة في 2014.

كان يرحب بالكثير من الضيوف الذين يأتون من العاصمة، ولعل جيلالي سفيان الذي كان يعارض العهدة الرابعة تماما مثلما كان يعارضها توفيق مدين آنذاك والشبكات التي يعرفها لما كان في المجلس الانتقالي وفي حزب بوكروح، يتذكر أن "محاد" استضافه ورافقه إلى عين صالح، عاصمة مناهضة استغلال الغاز الصخري.

"محاد" ناشط ميداني، بدأ الحراك من فعل الخير إلى الاحتجاج الاجتماعي والسياسي، وبالرغم من محاولة الكثير من قيادات الصالونات المرتبطة بعصب النظام المتناحرة استدراجه الانضمام إليها، رفض ذلك، فقد اعتذر أن يكون عضوا في هيئة التشاور بندوة مزافران، وقال "أنا مكاني في الميدان". لما عُين عبد المجيد تبون واليا عن أدرار في نهاية جانفي 1983، كان "محاد قاسمي" طفلا في الثامنة من العمر، وهو يعرف جيدا كيف أن شبكات الفساد على الصعيد المحلي كانت تصول وتجول دون حسيب ولا رقيب، هذه الشبكات التي اتهمت "محاد" بالتشويش، لأن أدرار يجب، حسبهم، أن تبقى كما كانت ساكتة ومساندة لكل ما تفرضه السلطة، وهي اليوم تعمل على إسكات كل من ينتقد تبون الذي فرض في قصر المرادية كما فرض إيداع محاد السجن اليوم وهو في الخامسة والأربعين من العمر..

"محاد" كان قليل النشر على الفيسبوك بالمقارنة مع العديد من النشطاء، لكنه كان كثير القراءة والتفاعل مع كل ما ينشر، أتذكر أن آخر اتصال له بي على الماسنجر وأنا لا أعرفه إلا افتراضيا، أنه تقاسم نص لي كتب يوم 24 جانفي2020، في سلسلة الجزائر الجديدة، بعنوان ضد الغاز الصخري والرئيس غير الشرعي، وهو النص الذي كان وصفا للجمعة 49، التي انتفض فيها الجزائريون والجزائريات من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب، رفضا لإعلان الرئيس المُعين الذهاب نحو استغلال الغاز الصخري، فكانت الشعارات متعددة في هذا الاتجاه، فالذين بدأوا الحديث عن حراك البريد المركزي جاءهم الجواب آنذاك بأن البريد المركزي قريب من عين صالح، فالعاصمة قالت إن "الصحراء ليست للبيع"، وحناجر الملايين في كل الولايات رددت هذا الشعار الذي سيحفظه التاريخ: "ما كان لا بترول، ما كان لا غاز صخري روحوا اديروه في باري"".

* "محاد .. رمز النضال عن ثروات الدولة ووحدة الأمة:

"محاد" كان سعيدا بذلك النص وأسعد بتلك الجمعة، لأنه شعر أن النضال ضد استغلال الغاز الصخري الذي سبب له كل تلك المشاكل احتضنته كل الأمة الجزائرية، كما أن تلك الجمعة جعلته يشعر أن الحراك الجزائري دخل في حركة عالمية ترفض سطوة الشركات الإمبريالية العالمية لتجريب ما توصلت إليه مخابر البحث في مجال استغلال الغاز الصخري، وهو استغلال يهدد التوازن البيئي والمياه الجوفية ويعرض البشر والشجر والحجر والحيوانات والحشرات إلى مخاطر متعددة بشهادة كبار المختصين والباحثين.

"محاد" اليوم يبيت في زنزانة السجن مثل عشرات الشباب الذين يحكمهم شيوخ فقدوا البصر والبصيرة، وهم الذين لا يعرفون الحد الأدنى من ثقافة الدولة، "محاد" هو المواطن الجزائري الحر.. هو رمز من رموز الدولة.. دولة الغد.. دولة الحريات التي يبنيها المجتمع المفتوح الذي يشيّد جسور التوافق ويهدم جدران الكراهية والفساد والاستبداد والإقصاء. 

قراءة 108 مرات آخر تعديل في الإثنين, 15 جوان 2020 18:04