الإثنين, 13 جويلية 2020 22:11

يبتعد عن تركيا الأقل ضررا...الموقف الجزائري يقترب من فرنسا الخاسرة في ليبيا مميز

كتب بواسطة :

يواجه الرئيس إيمانويل ماكرون مشاكل اقتصادية مُرعبة في الداخل، وتكبد حزبه في الانتخابات المحلية، قبل فترة، بعض الهزائم المُذلة.. ومع انتهاء القيادة الأوروبية للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، شرع ماكرون في مغامرات أجنبية لترسيخ محاولة أخرى لوضع فرنسا على رأس أوروبا. وترك التراجع الأمريكي التدريجي فراغا مغريا على المسرح العالمي، ورأى ماكرون أن هذه فرصة للانضمام إلى صراع الدول المتلهفة لملء الفراغ.

وإذا كانت هناك دولة أوروبية تتفرد بمحاولاتها المدمرة لدفع ليبيا نحو هاوية الانهيار، فهي فرنسا.. وبدلاً من حشد الاتحاد الأوروبي لدعم سعي ليبيا لمواجهة تحدي إعادة بناء الدولة من جديد، اختارت باريس أن تتماشى مع الإمارات وروسيا في دعم سعي العقيد المتمرد خليفة حفتر إلى "غزو ليبيا" بالقوة وحكم البلاد بالقهر والتغلب على خطى سلفه، كما لو أنه "قذافي جديد".

وقد أضرت السياسة الفرنسية في ليبيا بأوروبا، إذ لم ينجح حصار الاتحاد الأوروبي، الذي يُعرف باسم عملية IRINI، إلا في المساعدة على تأمين انتصار حفتر العسكري على غرب ليبيا وسمح للأسلحة الثقيلة بالانتقال إلى قواعد حفتر في الشرق، ولم يكن مستغربا اكتشاف صواريخ فرنسية العام الماضي على قاعدة موالية لحفتر. ومع أن شركة "توتال" الفرنسية العملاقة للنفط كانت حاضرة بشكل كبير في ليبيا لأكثر من 60 عامًا، إلا أن حفتر وعد بمكافآت اقتصادية أكبر بكثير لفرنسا لدعمها.

وبحلول خريف عام 2019، بدأ حفتر يخسر في ساحة المعركة وفي محكمة الرأي العام الدولي، حيث كشف خبراء عن حقيقته المتعطشة للسلطة، واتخذ "مكافحة الإرهاب" ذريعة لجلب الدعم الأجنبي، وكان أكثر همه جلب المال والسلطة له ولأولاده ومؤيديه.

وفي نوفمبر 2019، اتهم ماكرون تركيا "بالمسؤولية التاريخية والجنائية" و"عرقلة تركيا لعملية برلين" حول ليبيا. والحقيقة أنه إذا لم تستجب تركيا للدعوة إلى مساعدة عسكرية لحكومة الوفاق الوطني (الحكومة الليبية المعترف بها دوليًا)، لكان من الممكن أن ينجح اجتياح حفتر المدعوم من روسيا والإمارات ومصر وفرنسا، وكان العالم سيشهد المزيد من المقابر والجرائم الجماعية التي ارتكبتها ميليشيات حفتر، مثل تلك الأخيرة اكتشفت في ترهونة بعد فرار قوات حفتر من المدينة.

ويا له من نفاق صارخ عندما وصف الرئيس الفرنسي "ماكرون" الصراع الليبي بأنه "معقدة بشكل متزايد بسبب التدخلات الأجنبية"، خاصة أنه استمر في دعم حفتر حتى بعد أن شن هجومًا عسكريًا على طرابلس العام الماضي، أضف إلى هذا، وفقا لنقاد وباحثين غربيين، أن "تعاطي ماكرون غير الحكيم مع روسيا كان يمكن أن يعرض الجناح الجنوبي لحلف شمال الأطلسي للخطر من خلال منح روسيا قاعدة أخرى لوضع قواتها في المنطقة".

وماكرون وإن ادعى القطيعة مع سياسة المحافظين الجدد التي هيمنت على حكم ساركوزي ومن بعده هولاند، فإنه في ليبيا ومع تركيا لم يكن إلا تلميذا لهم (وهم مزروعون في قصر الإليزيه وفي بعض دوائر الخارجية)، وهي المدرسة المتوحشة التي ورطت أمريكا في حروب العراق وأفغانستان بنزعتها التدخلية وتعصبها وتطرف مواقفها... وهذه العصابة (المحافظون الجد) من يهود نيويورك (ولها أتباع وتلاميذ في فرنسا وبعض البلاد العربية) الذين تحولوا من التروتسكية إلى تيار المحافظين الجدد، ومُلهمهم أيديولوجيا، الفيلسوف اليهودي الأمريكي من أصل ألماني "ليو شتراوس"..وأول ما برزوا في عهد ريغان، ثم تمكنوا بقوة ونفذوا ما أرادوا في عهد بوش الابن، وشنوا حروبا في العراق وأفغانستان استنزفت أمريكا...

***

واقتراب الجزائر من الموقف الفرنسي (الداعم الأكبر للإمارات في ليبيا) في الصراع الليبي وابتعادها عن تركيا له ما بعده، وقد يكون ثمرة توافق محور الثورات المضادة مع السلطة الفعلية، وقد نرى له أثرا في منطقة الساحل..ثم إن فرنسا تغرق في مالي وتخسر في ليبيا، بشهادة صحف فرنسية مرموقة، فلم ننقذها؟ لم نسند موقفها الحاقد الأعمى المعادي لأصالة الشعب الليبي وانتمائه الحضاري والمتحمس للتقسيم والتفتيت والإخضاع؟؟؟

والموقف الفرنسي في مالي احتلال ونهب وفي ليبيا عدواني وتقسيمي حاقد معاد، فهل مثل هذه التوجهات الكارثية يُصطف معها؟؟؟

وبعيدا عن أي انحياز، كل متابع ومراقب للوضع في مناطق الصراع، يتبين له أن تركيا أرحم من غيرها في لعبة الصراعات والتأثير والتمدد، وإن كانت كل الأطراف المتورطة لها مصالحها وحساباتها، فليست جمعية خيرية، وليس ثمة طرف بريء، ولكن هناك الأسوأ والأرحم أو الأقل سوءا..

قراءة 171 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 14 جويلية 2020 19:19