الثلاثاء, 21 جويلية 2020 18:02

بعد 60 سنة من الاستقلال...زيارة تضامنية لـ"مخيم اللاجئين الجزائريين" بعيدا عن العاصمة بكيلومترات مميز

كتب بواسطة :

في زيارة تضامنية لفريق جمعية "الجزائر تضامن" لـ"مخيمات اللاجئين المسحوقين الجزائريين" على بعد 10 كلم من وسط العاصمة، لتوزيع معونات مالية على أحياء القبور...ملجأ "قايدي2" (برج الكيفان)، قل عنه ما شئت إلا أن يبكون حيَا فلا وألف لا..لا شيء يدل على الحياة، هنا، كأننا في غزة المحاصرة من كل مكان، برا وبحرا وجوا،، بل أسوأ حالا..هنا يتفطر القلب حزنا وهما على "جزائر 2020"، على بلد استقل منذ عقود من الزمن ولا يزال يعيش بعض أو كثير من أهله ظروف لاجئي الحروب والنزاعات...وأين؟ ليس بعيدا عن وسط العاصمة؟؟

أيُعقل أن أكثر مناطق الأرض حصارا وعزلة (غزة) أفضل حالا من هذا الحي (قايدي 2 برج الكيفان) الذي تتسلل إليه خفية حتى لا تقطع صمت الأحياء في قبورهم، وتخرج وقد غمرك الأنين الكامن الذي لا يرويه ماء، ولا يزيل غشاوته بكاء، وسط أنهار من دموع جرت على صفحة الوجه جرّاء وجع في القلب لا أعرف منه سوى أنه باهت بلا ملامح، غائص في جسدي بلا معالم، لا نستطيع التفوّه، ربما تملّكنا جميعًا الغم ولا نستطيع البوح به لأنه أكبر من ذلك الوصف البارد..

اقترب مني أحد المنكوبين من هذا الحي، وهمس في أذني قائلا: "بعض الناس لا يستطيع أن يشعر بك إلا عندما يرى جرحك ينزف، وأوجاع الدُنيا قد مزقتك)، أين العالم الخارجي؟، زرناكم في رمضان وقبله وبعده!! لا..لا..لستم أنتم، أليس هناك بشر غيركم؟؟ لا أحد يتفقدنا هنا..إننا نموت ببطء، لك أن تختار أي ملجأ أو مغارة هنا، وجرَب أن تستأذن وتدخل، سترى أناسا يعيشون تحت الركام والأنقاض..نعيش كابوس الأوبئة والقاذورات وتنهشنا القمامة وتغمرنا مياه الصرف الصحي..نحن هنا نموت كل يوم، لم نر الحياة هذه التي يتحدثون عنها..".

***

"عمَو عمَو" لا تغادرنا قبل أن تتفقد معاناتنا (صفائح مشدودة بأسلاك)، سألها "بوعلام" (المكلف بالتقصي وإحصاء المنكوبين): أين تسكنين يا بنيتي..هناك، أرجو أن تتبعوني..سألته: "وهل نسيت هذه العائلة أخي "بوعلام"، لم لم تضمها في القائمة؟ سألها ثانية: عائلة من؟ فأجابته بلقب العائلة، بحث عن اسمها في القائمة، فوجد أقارب لها، دلَينا على بيتكم..سرنا وراءها ثم أشارت إلى صندوق تعلوه صفائح وباب خشبي مهترئ، هنا نعيش؟؟ وزعتم علينا قفة رمضان، ما نسيناكم، وانتظرنا مجيئكم، وقد تفقدتم "الحوش" الذي بجاورنا، ولم تأتونا؟؟..واليوم تفقدتم جيراننا ولكنكم نسيتمونا، وانفجرت باكية..المال قليل والقوائم مكدسة وفي انتظارنا أحياء شراربة وبن طلحة وغيرهما..ولكن كيف نسيناهم؟

سأل "بوعلام" عن هذه العائلة، ونبهونا إلى أننا وزعنا على أقاربهم لكننا لم ندق عليهم الباب.."بوعلام" ينادي في الغالب على اسم الأب أو العائلة ويدق الباب، أو شبه الباب، ويخرج المعني ونسلمه المعونة المالية...سألنا عن والد البنت فإذا هو مريض طريح الفراش، أمها حجبها الحياء والتعفف وكلمتنا من وراء الباب..وقالت تفضلوا لتتفقدوا حالتنا، تحرجنا، حيَيناها على وعد منا بزيارة عاجلة...وستصلها المعونة قريبا جدا..تبعنا شباب وفتيان، الكل يريدنا أن نتفقد وضعهم والمال قليل والوضع كارثي لا طاقة للجمعية به كله، لكن سنعود إليكم قريبا..وأخي "نبيل" من الفريق المتطوع ألجمه الوضع الكارثي ولم يزد على الحوقلة متحسرا مذهولا مقهورا..

ما إن هممنا بالمغادرة حتى لحق بنا شاب في الثلاثينات من عمره، انقطع عملي منذ "كورونا" لم أعمل ولو ليوم واحد، نعم هناك أسوأ مني حالا، لكني حديث عهد بزواج، أرجو أن تتفضلوا معي لتتفقدوا سكناي..قال له "بوعلام" أمهلني وقتا للتقصي، ووعدته بالعودة قريبا، تابعنا مشتكيا: نحن هنا نموت ببطء، أرجوكم لا تنسونا، فلا نكاد نرى المسؤولين المحليين إلا في الانتخابات البلدية، وبعدها ندخل في عالم النسيان...في انتظاركم، أتذكر زيارتكم في رمضان، لا تتأخروا عنا، لا نكاد نرى أناسا يتفقدوننا..زادني هذا الشاب هما إلى هم..

وانطلقنا إلى "شراربة" ثم "حوش ميهوب" ببن طلحة، في استكمال الحملة التضامنية، وأكثر الحالات تقريبا من الأرامل واليتامى والمرضى المزمنين، انقطعت بهم الأسباب وضاقت الأنفاس...ومثلهم أعداد لا تُحصى.. 

قراءة 269 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 22 جويلية 2020 14:20