الثلاثاء, 11 أوت 2020 14:09

"ماكرون" مستاء جدا...تركيا تتمدد في مناطق النفوذ الفرنسي مميز

كتب بواسطة :

وقعت تركيا اتفاقية عسكرية شاملة مع النيجر، وبمقتضى هذه الاتفاقية، تتولى تركيا إنشاء قاعدة عسكرية إستراتيجية برية وجوية مع تدريب جيش النيجر وتزويده بأحدث الأسلحة وتدريب قواته، لتضع قدما بجوار ليبيا...أنقرة توسع نفوذها في إفريقيا وتزاحم فرنسا في مناطق نفوذها، وتبادر لتثبيت مكانتها وتطرح نفسها بديلا عن الارتباط مع القوى الغربية المهيمنة.

أوروبا تراجع نفوذها وتأثيرها، وفرنسا تقريبا الوحيدة، أوروبيا، التي تحاول، بلا أي تأثير قوي، إنقاذ الوضع والموقف المترنح، والناتو "ميت دماغيا"، كما وصفه مسؤول أوروبي معترفا بالتراجع، ولا تكاد دول أوروبا تتفق على قضية إستراتيجية كبرى، ولهذا كله وغيره، أصبحت أوروبا غير جاذبة لتركيا التي تمتلك قوة شابة، وموقع جغرافي هام وقوة ناعمة وشبكة نفوذ ممتدة وبيدها أوراق ضغط قوية.

وقد اكتفت تركيا باتفاقيات جمركية مع أوروبا بعد الرفض القاطع لعضويتها في الاتحاد الأوروبي، وكانت أوروبا واضحة في هذا: الاتحاد الأوروبي نادي مسيحي ولا تدخله أي قوة مسلمة..تركيا الصاعدة كانت صادقة في اتجاهها نحو الشرق وزاحمت الغرب في مناطق نفوذه التقليدية، وهي تتمدد في إفريقيا تدريجيا، مستغلة الضعف الأوروبي والتراجع الأمريكي..

أمريكا استنزفت كثيرا بعد حربها الخاصرة والفاشلة والمكلفة في العراق وأفغانستان، وتعالت الأصوات الإستراتيجية داخل مؤسساتها بالتخفف تدريجيا من عبء التورط في المنطقة والاتجاه إلى منطقة المحيط الهادي، حيث التحدي الصين في تنام وصعود، وفي أوراقها الإستراتيجية الأخيرة، وتحديدا منذ عهد الرئيس أوباما وضعت الصين أولا وروسيا على رأس التهديدات والمناطق وتراجعت أهمية منطقة ما يسمى "الشرف الأوسط" (وهذا لاعتبارات كثيرة أهمها الاكتفاء الذاتي في النفط بعد اكتشافات الغاز الصخري والتكلفة الباهظة لحروب المنطقة وتنامي التحدي الصين بما بسبق له مثيل في المائة سنة الأخيرة..).

واندفعت روسيا بوتين لملء الفراغ الأمريكي في المنطقة وزاحمته تركيا، بل وتوسعت أكثر مما توسع، وحتى في صنعته التي يتقنها ولا يحسن، تقريبا، سواها، وهي المجال العسكري، فتركيا في السنوات الأخيرة انكبت على تطوير صناعتها العسكرية، بل ودخلت عالم الإنتاج الحربي، برا وجوا، وهذا ما أغراها بالتوسع الأكثر وما عادت تكتفي بالصناعات النسيجية والقوة الناعمة عموما..

وتركيا تجيد اللعب على الحبال الروسية والأمريكية وهي بارعة في استغلال التناقضات والقفز من مركب إلى آخر..وأمريكا لا يزعجها التمدد التركي لأنه أولا لا يهدد مصالحها، إجمالا، وثانيا ترى فيه واشنطن قطعا للطريق على روسيا، أو على الأقل تزاحمه وتمنعه من التفرد، لأن وثيقتها الإستراتيجية في السنوات الأخيرة جعلت من روسيا التهديد الأبرز مع الصين، وتركيا أكبر منافس ومزاحم لروسيا في طموح ملء الفراغ... وربما أحسن توصيف للوضع العالمي الآن: المزاحمة على الريادة وملء الفراغ.

وفرنسا مستاءة جدا من الحضور التركي في عاصمة شمال لبنان (طرابلس)، حتى إن الغرَ ماكرون حذّر ممثلي الأحزاب اللبنانية من التحرك التركي في الشمال اللبناني...فتركيا تتمدد في مناطق النفوذ الفرنسي (إفريقيا ولبنان) والأمريكي البريطاني (الخليج وتحديدا قطر وتبحث لها عن موطئ قدم في الصراع اليمني)، وسوريا (الشمال تحديدا)، وهي منطقة نفوذ روسي إيراني، وآسيا الوسطى، وهي امتدادها القومي الجغرافي.

وتستحوذ تركيا على حصة لا بأس بها من خطوط إمداد الغاز الطبيعي القادم من روسيا وأذربيجان، وتسعى للشيء نفسه في غاز المتوسط، وبيدها ورقة اللاجئين التي تريد تعزيزها بنفوذ في منطقة الساحل الإفريقي، وبالتالي يصبح أمن أوروبا رهينة لمواقف تركيا، وسيضغط الأتراك على الاتحاد الأوروبي، لتحقيق مطالبهم بالتلويح بورقة مخاطر "الإرهاب" والتسلل والهجرة غير شرعية.

وأيَا ما كان، تبقى تركيا بطموحها وتوجهها نحو الشرق وصعودها أرحم الخيارات وأقلها سوءا، ولا يعني هذا أنها جمعية خيرية بل قوة إقليمية بنزعة قومية ونفس إسلامي وطموح توسعي، وتزاحم القوى المهيمنة التقليدية وهي أرحم منهم.   

قراءة 273 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 11 أوت 2020 15:38