الأحد, 23 أوت 2020 11:38

ابن زايد "أقوى" وكيل للكيان الصهيوني... يتظاهر أنه "ميكيافيلي"، ولكنه يعمل مثل "موسوليني" مميز

كتب بواسطة :

في مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز" قبل سنة تقريبا، قال روس ريدل، الضابط السابق في جهاز "سي.آي.ايه" والباحث في معهد بروكنغزن عن الحاكم الفعلي للإمارات، محمد بن زايد: "يعتقد أنه ميكيافيلي، ولكنه يعمل مثل موسوليني".

يرى محلل شؤون المنطقة في صحيفة "هآرتس" العبرية، تسيفي بارئيل، أن المقابل الفوري لتطبيع الإمارات مع إسرائيل، برعاية أمريكية، لا ينحصر في رزمة طيران تضم طائرات "إف35" وأنظمة سلاح متطورة، بل ترسيخ مكانة بن زايد في الكونغرس الأمريكي الذي كان ينوي فرض عقوبات على الإمارات بسبب تدخلها في حرب اليمن، وقرر وقف صفقات السلاح مع السعودية، وهو قرار تم الالتفاف عليه من قبل الرئيس دونالد ترامب.

التطبيع مع إسرائيل قد يزيل المعارضة الأمريكية لبيع السلاح، ويشكل بوليصة تأمين لبن زايد حتى لو خسر ترامب الانتخابات في نوفمبر لخصمه بايدن. ثمَ إن الصفقة الحالية مدفوعة بتصور مشترك للتهديدات الإقليمية، من المنظور الصهيوني، وأبرزها الخوف من تركيا وإيران والتيار السياسي الإسلامي والثورات الشعبية، ويرى كل من نتنياهو وبن زايد أن هذه الأطراف تهدد استقرار المنطقة. 

وينظر إلى بن زايد في الثورات العربية تهديدا لنظامه التسلطي والأنظمة التقليدية، وتجند لمساعدة الجنرال الدموي السيسي الذي عزل الرئيس المنتخب، محمد مرسي، في جوان 2013. ضخت الإمارات ملايين الدولارات لمصر كي تزيد احتياطها من العملة الصعبة، التي وصلت إلى نسبة خطرة.

وقد شجع مستثمرين على تطوير البنى التحتية في مصر، وساهم في مشاريع في سيناء وحول القاهرة إلى حليف تعتمد اقتصاديا على الإمارات. حاول بن زايد في حينه إقناع الإدارة الأمريكية بأن دعم ثورة الربيع العربي ينشر فوضى في "الشرق الأوسط" ويهزَ سيطرة الولايات المتحدة في المنطقة.

وفي الوقت الذي كانت فيه واشنطن مترددة في تقديم الدعم للرئيس المصري الجديد، رسخ بن زايد مكانته كمن أنقذ مصر من أزمة خطيرة. وقد أوصى بن زايد صديقه "كوشنر" (صهر الرئيس الأمريكي ترامب) بتبني الأمير محمد بن سلمان (الحاكم الفعلي للسعودية منذ 3 سنوات تقريبا)، وطلبوا منه الضغط على الإدارة الأمريكية لتعيينه وليا للعهد بدلا من الأمير محمد بن نايف (وزير الداخلية السابق) المخلص للإدارة الأمريكية في السعودية وبشكل خاص لوكالة "سي.آي.ايه".

وليس واضحا كيف تدخلت الإدارة الأمريكية، لكن الحقيقة هي أن بن سلمان حظي باللقب في 2017، ومع ابن زايد، تحولا إلى من يحدد السياسة الأمريكية في "الشرق الأوسط" أكثر بكثير من كبار مستشاري ترامب. ولكن بعد سنة، في نوفمبر 2018، قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول. وخلال فترة قصيرة، ألقيت تهمة المسؤولية عن القتل، وأُزيح ولي العهد السعودي من مكانته كالابن الغالي للولايات المتحدة، وتحول إلى شخصية غير مرغوب فيها في الكونغرس الأمريكي.

منذ ذلك الحين، لم يزر الولايات المتحدة، في حين تُوّج بن زايد في العاصمة الأمريكية كرجل الإدارة في "الشرق الأوسط"، ولكن مكانته هذه بدأت تهتز بسبب صراعات القوى بين الكونغرس، خصوصاً بين الأعضاء الديمقراطيين وترامب، بشأن معاقبة بن سلمان في قضية خاشقجي والحرب المستمرة في اليمن.

في هذه الحرب، التقى بن سلمان وبن زايد في شن هجوم طويل وحشي وفاشل على المتمردين الحوثيين كجزء مما اعتبراه معركة لوقف نفوذ إيران في المنطقة. ولكن بعد خمس سنوات من القتل والموت بسبب الجوع والمرض لأكثر من 100 ألف شخص وبقي الملايين من دون مأوى، فهمت الولايات المتحدة أيضا بأن المعركة لم تنته رغم التكنولوجيا والسلاح المتطور الذي باعته للدولتين، بل وآخذة في توريطها.

وقد أنشأ بن زايد، بواسطة شركة فرعية لــ"بلاك ووتر"، وهي شركة الحماية الأمريكية الخاصة، سيئة الصيت، بسبب جرائمها في العراق، مليشيات من المرتزقة من كولومبيا وجنوب إفريقيا، الذين حاربوا في اليمن ودربوا القوات المؤيدة للإمارات.

وبن زايد هو الحاكم الفعلي منذ العام 2004، ونجح طيلة سنوات في منع استبداله، وهي وظيفة -حسب الدستور- يجب أن تنتقل بتناوب بين الأمراء السبعة كل خمس سنوات. لم يكن بوسعه تجاهل الضغط والتهديد الذي جاء من واشنطن. وبقرار إستراتيجي صعب أمر جيشه بالانسحاب من اليمن ووقع على اتفاق تعاون مع إيران لحماية الملاحة في الخليج وسمح لحاكم دبي بمنح تأشيرات دخول رجال أعمال إيرانيين بعد سنوات من التجميد.

وحصل في المقابل على وقف إطلاق صواريخ الحوثيين على أهداف برية وبحرية لبلاده. وفي الساحة الليبية، التي يؤيد بن زايد فيها الجنرال الانفصالي خليفة حفتر في صراعه للسيطرة على الحكم، تحالف ولي العهد الإماراتي مع مصر التي لديها مصلحة مباشرة في ليبيا، إلى جانب روسيا وفرنسا في دعم أمريكي ضبابي. هذه حرب تجري بقوة ضد قوات تركية وتمويل قطري.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تشارك فيها طائرات إماراتية في الحرب في ليبيا، فقد سبق وخاضت جولة حرب ضد "داعش" في شرق ليبيا، ويدور الحديث الآن عن حرب دولية يشغل فيها بن زايد الوكيل الرئيسي عن التحالف المعادي لتركيا.

وخلافا لمصر والأردن، لا يحتاج بن زايد إلى الأموال الأمريكية، فهو يستطيع شراء التكنولوجيا التي يريدها من أي مصدر، بما في ذلك إسرائيل، حتى من دون اتفاق سلام. وهو لا يحتاج إلى سلام للحصول على الأراضي أو للدفاع عن حدود بلاده، ولكن من أجل الحصول على اعتراف دولي وإقليمي بزعامته، مطلوب منه القيام بخطوة الانبطاح أكثر والتذلل لكيان الصهيوني.

وقد أثبت ابن زايد في السنوات الأخيرة نفوذا متصاعدا في منطقة "الشرق الأوسط"، عموما، وفي العالم العربي، خصوصا. ويدور الحديث عن ذروة ميل تحولت في أثنائه الإمارات من إمارة نفط على هوامش العالم العربي إلى دولة ذات نفوذ في بؤر فعل ونزاع مختلفة، ولها صلات وثيقة بلاعبين أساسيين في الساحة الدولية. وربما يعكس فرض الإمارات نفسها في العالم العربي، بإسناد من الكيان الصهيوني، تحولات جذرية في المنطقة، وعلى رأسها نقل مراكز القوى الإقليمية التقليدية من القاهرة ودمشق وبغداد -التي غرقت في الحروب الأهلية وتفكك الدولة وانهيار الاقتصاد- إلى مجال الخليج.

ويعدّ بن زايد أحد اللاعبين المسيطرين في العالم العربي اليوم، برعاية إسرائيلية، فالقوة التخريبية الصاعدة لإمارات بن زايد تسهل وتكمل المخطط الإسرائيلي في بلورة معسكر إقليمي ضد ما يرونه تهديدات تركية وإيرانية، وتساعد في تسويق التطبيع مع إسرائيل في العالم العربي.

* الصفقة "مكسب" لليمين الصهيوني وتعزز أنظمة التسلط:

صنَف تقدير الجيش الصهيوني الإستراتيجي لعام 2020، الذي أصدره في يناير الماضي، تركيا، لأول مرة، دولة ذات تأثير كبير على "الأمن القومي" الإسرائيلي، وحذر الباحثان الصهيونيان، بني شفينر وشؤول حوريف، وهما خبيران في مجال "سياسات وإستراتيجيات المياه"، بأن تركيا ستوظف اتفاق ترسيم الحدود المائية مع ليبيا وتمنع إسرائيل من تصدير غازها لأوروبا. والتطبيع الإماراتي المعلن أخير مع الكيان الصهيوني مكسب لأطرافه الثلاثة (نتنياهو وترامب وبن زايد).

بالنسبة لنتنياهو، فإن استعداد الإمارات لتطبيع العلاقات دون المطالبة بتنازلات إقليمية (أي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية منذ 53 عامًا ورفع حصارها عن غزة) هو إثبات لخط اليمين السياسي الصهيوني، الذي تمسك برؤيته، ومفادها أنه إذا حافظت إسرائيل على قوتها العسكرية ورفضت التنازل، فإن العالم العربي سيقبل في نهاية المطاف إسرائيل بشروطه الخاصة. ونتنياهو لم يكن مضطرا لتقديم أي تنازلات مقابل التطبيع.

وأما ترامب، فيرى أن الصفقة حظيت بشعبية خاصة بين اليمين المسيحي، الذين هم أكثر مؤيديه ولاء وثباتا، وشريحة مهمة من قاعدته، والمسيحيون الإنجيليون المحافظون هم من أشد المؤيدين لإسرائيل لأسباب دينية. وبالاتفاق بين الإمارات وإسرائيل، يمكن لنتنياهو وترامب تجنب الاتهام بأنهم جعلوا إسرائيل أقل أمانًا وأكثر عزلة.

وبالنسبة لإمارات بن زايد، تضمن الصفقة أنها ستحصل على التكنولوجيا العسكرية المتقدمة من الولايات المتحدة، كما إنها ستسهل التجارة في تقنيات المراقبة والتجسس، التي تستخدمها الإمارات، وتُستخدم لتعقب المعارضين والناشطين، وستكون شركات التكنولوجيا الإسرائيلية، التي كان عليها حتى الآن إنشاء شركات أوروبية وهمية للعمل في دول الخليج، حرة في إبرام الصفقات مع العملاء الإماراتيين.

وتسعى الإمارات، أيضا، إلى كسب ودَ واشنطن، حيث حظي الاتفاق، في عرض نادر للاتفاق بين الحزبين، بدعم كل من الديمقراطيين والجمهوريين. فبغض النظر عمن سيفوز في انتخابات نوفمبر، في واشنطن، فإن التصور بأن الحاكم المتسلط قريب من إسرائيل، وأن هناك جماعة ضغط (لوبي) إسرائيلية قوية إلى جانبه، مفيد للبقاء في السلطة والتسلط والهيمنة، إذ يحصل حلفاء إسرائيل على خدمات الضغط.

إذ يمكن أن تستفيد من دعم إحدى أقوى مجموعات الضغط (الموالية للكيان الصهيوني) في واشنطن في السعي لتبرير تدخلاتها الدموية في اليمن وليبيا أو للعمل كمركز لغسيل الأموال لأصدقاء بن زايد المرتبطين بـالأنظمة الإيرانية والسورية. وتوقيت الصفقة مرتبط بمحاولات نتنياهو للبقاء في السلطة، فهو بحاجة إلى أي نجاح لتعزيز مكانته في الاستطلاعات، ومستقبله السياسي وحتى حريته الشخصية (مُدان بتهم الفساد الإجرامي) على المحك.

ورأى مراقبون في الاتفاق الصهيوني الإماراتي أنه يُقوي الخطوط الفاصلة الجديدة للمنطقة،، فما عادت دول المنطقة مُصنفة حسب موقفها من القضية الفلسطينية أو قربها من الغرب، وإنما حسب موقفها من تركيا وإيران والتيار السياسي الإسلامي والثورات الشعبية. كما تعزز الصفقة الإماراتية الإسرائيلية اليمين السياسي الصهيوني، وتساعد على ترسيخ الحكم العسكري الإسرائيلي على الفلسطينيين، وتقوية تحالف إسرائيل مع الحكام المستبدين في العالم العربي.

قراءة 184 مرات آخر تعديل في الأحد, 23 أوت 2020 13:38