الخميس, 27 أوت 2020 10:51

تركيا تتقدم في إفريقيا ضد التحالف الفرنسي الإماراتي المصري مميز

كتب بواسطة :

أدى الوجود العسكري التركي الموسع في ليبيا إلى ميل لوحة اللعبة الجغرافية السياسية لصالح أنقرة أكثر في مقابل فرنسا ومصر وشريكتهما الإمارات. مع تكثيف الدعم القوي لتركيا لتوسيع نفوذها في جميع أنحاء إفريقيا تقود إلى منافسة إستراتيجية أوسع بين تركيا وفرنسا في منطقة الساحل وكذلك بين تركيا ومصر في منطقة القرن الإفريقي.

وأدى تقدم أنقرة في النيجر في منطقة الساحل وإثيوبيا وفي القرن الأفريقي إلى زيادة المخاطر بالنسبة لخصوم تركيا، مما دفعهم إلى تحالف أوثق، حيث شكَل التنافس بين تركيا والتحالف الفرنسي الإماراتي المصري أحد خطوط الصدع الجغرافية السياسية الرئيسية في إفريقيا.

في النصف الأول من عام 2020، عكس التدخل العسكري التركي الصريح لدعم حكومة الوفاق الوطني مسار الحرب الأهلية الليبية. وبتمكين الحكومة التي تتخذ من طرابلس مقراً لها لدفع قوات التمرد، بقيادة حفتر، المدعومة من مصر والإمارات وفرنسا وروسيا، من غرب ليبيا، اكتسبت تركيا أيضًا ميزة إستراتيجية على فرنسا والإمارات ومصر في منافسة أوسع على النفوذ في أفريقيا. 

ومع إظهار تركيا لقدراتها الاستعراضية في ليبيا الذي زاد من نفوذ أنقرة في الجزائر العاصمة وتونس، فإن احتمال وجود عسكري تركي دائم في ليبيا يعزز مكانة تركيا كقوة رئيسية في شمال إفريقيا، بالإضافة إلى تعزيز تغلغل تركيا الدبلوماسي والاقتصادي في جنوب الصحراء الإفريقية.

ومع ذلك، فإن ليبيا ليست سوى غيض من فيض. فمن عام 2010 إلى عام 2016، افتتحت أنقرة 26 سفارة في إفريقيا، وأصبح الوجود التركي الضخم في ليبيا بمثابة منصة يمكن لأنقرة من خلالها تعزيز جهودها المستمرة لتوسيع البصمة الاقتصادية والسياسية لتركيا في جميع أنحاء إفريقيا.

بعد شهر واحد من تدخل تركيا في ليبيا الذي غير قواعد اللعبة، قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بزيارة الجزائر في 26 يناير 2020 كجزء من رحلة لثلاث دول إلى إفريقيا شملت السنغال وغامبيا، وهما اثنان من "النمور الاقتصادية'' الأفريقية، التي استضافت في السابق تستضيف إحدى القواعد العسكرية الفرنسية الأربع في إفريقيا.

في الجزائر العاصمة، أعلن أردوغان عن هدف رفع التجارة الثنائية بين تركيا والجزائر إلى 5 مليارات دولار ودفع باتجاه اتفاقية تجارة حرة. بلغ إجمالي صادرات تركيا إلى الجزائر لعام 2019 ما يقرب من 5.1 مليون دولار، مما يضع تركيا في المرتبة 76 بين أسواق الاستيراد الجزائرية.

في المقابل، تعد فرنسا أكبر مصدر للجزائر بعد الصين، حيث حققت باريس إيرادات قدرها 3.8 مليار دولار في عام 2019. وعلى الرغم من انخفاض رقم التجارة، فقد حققت تركيا بالفعل نجاحات قوية من خلال استثمارات بقيمة 3.5 مليار دولار في الجزائر، مما جعل تركيا واحدة من كبار المستثمرين الأجانب.

وبينما شرعت أنقرة أيضًا في جهد موازٍ في تونس المجاورة، فإن جهود تركيا في الجزائر، التي تقع على حدود دول الساحل الرئيسية في موريتانيا ومالي والنيجر، لها أهمية أكبر لربط تركيا مع بقية إفريقيا. وقد أعلن أردوغان أن الجزائر "أحد شركائنا الاستراتيجيين في شمال إفريقيا" في زيارته في يناير 2020، وأنها "واحدة من أهم بوابات تركيا إلى المغرب العربي وإفريقيا".لا تقتصر جهود تركيا للتوعية في إفريقيا على غرب ووسط إفريقيا، بل تشمل أيضًا منطقة شرق إفريقيا الكبرى ، والتي تمتد على ساحل البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي.

كانت هذه الجهود مصدر قلق لمصر وشركائها الخليجيين، الإمارات والسعودية. تم تعزيز القدرات الإستراتيجية لتركيا في البحر الأحمر بشكل كبير في سبتمبر 2017 عندما افتتحت أنقرة منشأة عسكرية في مقديشو، عاصمة الصومال. وتُعدَ قاعدة مقديشو التركية التي تبلغ تكلفتها 50 مليون دولار على مساحة 4 كيلومترات مربعة أكبر منشأة تدريب خارج الأناضول ومن المتوقع أن تدرب 10.000 جندي صومالي. وتوفر قاعدة مقديشو لأنقرة موقعًا قريبًا بشكل معقول من خليج عدن، المدخل الشرقي الاستراتيجي للبحر الأحمر.

وردا على توسيع الوجود التركي في الصومال، بدأت الإمارات في تمويل المناطق الصومالية الانفصالية شبه المستقلة في أرض الصومال وبونتلاند، واستثمرت 440 مليون دولار في ميناء بربرة في أرض الصومال و336 مليون دولار في ميناء بوساسو في بونتلاند. وقد حوّل بناء المنشآت البحرية المتنافسة القرن الأفريقي إلى مسرح منافسة شديدة بين التكتلين التركي-القطري والمصر-السعودي-الإماراتي.

في عام 2018، كانت تركيا على وشك تحقيق اختراق إستراتيجي للبحر الأحمر بموافقة السودان على تأجير ميناء "سواكن" لتركيا لمدة 99 عامًا. كان لدى تركيا خطط لبناء منشأة مدنية / بحرية مزدوجة الاستخدام في "سواكن"، التي تقع على بعد 261 ميلًا بحريًا فقط عبر البحر الأحمر من ميناء جدة في المملكة العربية السعودية، مما تسبب في قلق شديد في الرياض وأبو ظبي. كما أثار احتمال إنشاء قاعدة بحرية تركية في السودان أجراس الإنذار في القاهرة خوفًا من تطوير تركيا لوجود بحري في البحر الأحمر، فضلاً عن تقديم الدعم لمطالبات السودان بمثلث حلايب، المنطقة الحدودية المتنازع عليها الخاضعة الآن لسيطرة مصر.

بعد الإعلان عن استحواذ تركيا على "سواكن"، أرسلت مصر مئات من القوات إلى القاعدة الإماراتية في إريتريا. كانت مصر قد طورت بالفعل مجمعًا عسكريا ضخما جويا وبحريا وبريا بمساحة 150 ألف فدان على البحر الأحمر في "برنيس"، على بعد 90 كيلومترا شمال مثلث حلايب. في نهاية المطاف، تعرقلت جهود تركيا لتأمين ميناء "سواكن" في السودان كمرفق مزدوج الاستخدام في أبريل 2019 بعد الإطاحة بالرئيس السوداني المخلوع، عمر البشير، وتعهدا جماعيا بقيمة 3 مليارات دولار للحكومة السودانية الجديدة من قبل الإمارات والسعودية.

***

قد تحاول فرنسا صدَ تركيا في شمال إفريقيا بالاستفادة من مواردها الهائلة جنوب المغرب الكبير، حيث تحتفظ فرنسا بحلقة مزدوجة من القوة الصلبة حول ليبيا والجزائر، وحلقة داخلية من المنشآت التشغيلية في موريتانيا ومالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد، مدعومة بحلقة خارجية من القواعد الدائمة في السنغال وكوت ديفوار والغابون.

وعندما نفذت طائرات "رافال" مجهولة الهوية غارة جوية في 6 يوليو 2020 على قاعدة "الوطية" الليبية الجوية مما تسبب في أضرار جسيمة لأصول الدفاع الجوي التركية المتمركزة حديثًا، أُثيرت تكهنات بأن إحدى المنشآت الأفريقية الفرنسية، مثل قاعدتها الجوية في تشاد، ربما شاركت في العملية.

مع ذلك، فإن التقدم الدبلوماسي التركي الأخير في النيجر وضع ثغرة في درع معقل الساحل الفرنسي. في تقدم كبير، وقعت تركيا والنيجر في 21 يوليو 2020 عدة اتفاقيات بشأن التعاون الاقتصادي والدفاعي. وعلى غرار الأنموذج الصومالي، فإنه من بين الاتفاقيات الموقعة بين أنقرة ونيامي، اتفاقية تعاون للتدريب العسكري.

وتستند الاتفاقات الاقتصادية إلى اتفاق يناير 2020 الذي تم إنجازه بين أنقرة ونيامي للسماح للمديرية العامة التركية لأبحاث واستكشاف المعادن بإجراء عمليات التنقيب والتعدين. ولأن فرنسا تولد ثلاثة أرباع طاقتها الكهربائية من الطاقة النووية ويتم استخراج ثلث اليورانيوم المستخدم في النيجر بواسطة شركة "أريفا الفرنسية"، فإن دخول تركيا إلى صناعة التعدين في النيجر كان إشارة مبكرة لتوسيع العلاقة.يقابل التقدم الدبلوماسي التركي في النيجر تطورات موازية في القرن الأفريقي مع إثيوبيا، التي تُعدَ القوة الصاعدة في المنطقة.

وبالنظر إلى تهديد مصر لإثيوبيا بشكل متزايد بشأن قيام الأخيرة ببناء سد النهضة الإثيوبي الكبير على النيل الأزرق، نظرت إثيوبيا إلى توسيع علاقتها مع تركيا باعتباره ثقلًا موازنًا. بالإضافة إلى العلاقات التجارية المتنامية بين البلدين، تعد إثيوبيا الوجهة الرائدة لاستثمارات تركيا في إفريقيا، حيث تتلقى 2.5 مليار دولار من استثمارات تركيا البالغة 7 مليارات دولار في جميع أنحاء القارة. وقد أثمرت العلاقة في عام 2018 عندما غيرت إثيوبيا سياستها تجاه الصومال، واختارت حقبة جديدة من التعاون مع حليف تركيا.

***

فرنسا هي ثالث أكبر مورد للأسلحة لمصر ولها قاعدة بحرية في الإمارات، لذا، من المرجح أن يدفع التقدم التركي في إفريقيا باريس إلى العمل بتنسيق أوثق مع القاهرة وأبو ظبي في إفريقيا جنوب الصحراء لإحباط التوسع الإضافي لنفوذ أنقرة. قد يجد الثلاثة أيضا سببا مشتركا مع روسيا لتحقيق هذه الغاية في أجزاء أخرى من القارة، مما يجعل ليبيا محطة تمهيدية لتنافس إفريقي أوسع، يكون للاتحاد الأوروبي فيه مصالح حيوية لكنه يظل في موقف ضعيف للتأثير على مسار الأحداث. ومع تقدم أنقرة أنشطتها في إفريقيا، من المقرر أن يصبح التنافس بين تركيا والوفاق الفرنسي الإماراتي المصري راسخًا كواحد من الدوافع الرئيسية للجغرافيا السياسية الإفريقية.

قراءة 184 مرات آخر تعديل في الخميس, 27 أوت 2020 11:07