الجمعة, 09 أكتوير 2020 20:40

الحراك الأمل مميز

كتب بواسطة : د.عمار جيدل / كاتب وباحث

أكّدت الأيام أنّ الحراك المبارك يتعرَّض لمحاولات بائسة ويائسة لمنعه من تحقيقه أهدافه الجلية المتّفق عليها وطنيا (تفكيك الاستبداد ومنع استئناف تدوير الفساد).

وبدأت حملة محاولات تقويض الحراك، باستعادة جرافات منع الحريات، ومعاول هدم البناء الجدي للثقة في قدرات الشعب على إحداث القطيعة مع الاستبداد وتدوير الفساد، فيلاحظ كلّ عاقل منصف متابع للحياة السياسية في الوطن، استعادة أهمّ العُمَد التي قام عليها نظام الاستبداد، بدءًا بالأحزاب التي قامت على التزوير واستمرت به، بل هو أساس وجودها وبقائها، وفسح المجال للشخصيات التي كانت تسوّق لعهدة الخامسة إلى أنفاسها الأخيرة، والمجتمع المدني الذي كان آلة مهمّة لنظام الاستبداد في تشويه الحياة السياسية، وتقويض الإرادة الشعبية.

عودة جرافات الحريات وآليات استقوى بها الاستبداد إلى ظهور مرة أخرى، بآلية التلميع المتبادل بين الاستبداد وهذه "الكيانات"، وهذا يؤكّد وجود محاولات للالتفاف مطالب الحراك، بل والحراك نفسه، ودَفْعُ، هذه المحاولات، يوجب التفاف الجماعة الوطنية حول الحراك بكلّ ثقة وقوّة، لأنّه أكبر قوّة جامعة الآن، وهو المدرسة الكبرى التي تتدرّب فيها الكفاءات الوطنية النزيهة، التي تتبنى مسلك الحراك الشعبي العارم كآلية لفرض الحلول الموضوعية، بمختلف مشاربها وألوانها الفكرية والسياسية، تتمرّن تمرينا جماعيا على الوحدة حول الأهداف الكبرى: منع استمرار الاستبداد، وتقويض آليات استنساخ الفساد، لهطا يتعيّن الحذر من صرف أنظارنا جميعا أو بعضنا عن هذه الأهداف النبيلة، ذلك أنّ الاستبداد لا يعدم حيل تقويض الوحدة الحراكية، كما عهدناه في الأيام السالفة، من نحو استدعاء الهوية في غير موضعها للتشويش، واستدعاء العرقية في غير سياقها لأجل صرف أنظار الناس عمّا يحيق بالوطن من مؤامرات، وتصفية حسابات بين العصب على حساب الوطن بعنوان المصلحة العليا للوطن...

وهذا كلّه يؤكّد وجوب صرف الاهتمام إلى الاجتماع على هذه الأهداف الواضحة (الاستبداد، وتدوير الفساد)، وكلّ محاولات صرف الناس عنها، بصرف النظر عن الحيل المتوسّل بها، هو انتصار للاستبداد وتدوير الفساد. لأنّ الاستبداد يراهن على نشر ثقافة الاستعداء بين مكوّنات الحراك، وخاصة النزهاء ببثّ الإشاعات المغرضة التي يقصد بها صرف عموم الشعب عن القضية المركزية (الاستبداد والفساد)، ذلك أنّ ما نشهده اليوم لا يختلف عن وضع ما قبل فيفري 2019، فالتعامل مع الرأي المخالف واحد، لا حقّ له في التعبير عن رأيه من خلال الوسائل العمومية، أي لكّ الحق بقدر ما تقدّم من خدمة لنظام القائم.

ومما يجمعنا أيضا الدفاع الجماعي عن حق الشعب في تقرير الدولة التي يريد، ولا طريق إليها من غير قوى سياسية ناشئة على غير الطريق المعهود في إنشاء الأحزاب، ذلك أن الطريقة السابقة التي يتبناها النظام هي: مسالك تقوم على قاعدة لا يمكن اعتماد قوى سياسية من غير ضمان انخراطها في مسعى السلطة، بينما الوضع السنني أنّ الحركة السياسية تعبّر عن قاعدة شعبية هي التي تمنحها الاعتماد والسلطة تصادق على الاعتماد الشعبي، وليس العكس، ذلك أنّ السلطة المستبدة هي التي تختار للشعب الحركات السياسية التي تتنافس من أجل التعبير عن إرادته، وهو طريق مسدود لا يمكن أن يعبّر عن القوى الشعبية الحقيقية، إنّها تعبّر عن القوى السياسية المصطنعة التي تتعيَّش على خدمة السلطة، لهذا تراها تنقل رغبات السلطة إلى الشعب عوض نقل آلام الشعب وأماله إلى التنافس السياسي والوصول به إلى السلطة.

السلطة تتصامم عن سماع صوت الشارع، وتريد شارعا موازيا ضرارا يشوّش على الحراك الأصلي، ولكن عجزها عن تحقيق ذلك جلي، لهذا استعملت وما زالت تستعمل ذات الأساليب العتيقة في مناهضة الرأي المخالف لتوجّهاتها، سلطة تريد كتبة حواشي على متنها، تريد من يشرح رأيها لشعب ولا تريد من ينقل إليها رأي الشعبي المتداول في الشارع. ومادامت السلطة مصرّة على هذا النهج، فالأمل معقود بعد الله على الحراك المبارك لإعادة الأمور إلى نصابها، إنّه مكسبنا الأعظم في الظرف الحالي.

والحراك كما شهدناه، ومع ما فيه من قصور وتقصير، هو البيت الكبير، بل هو أكبر قوى سياسية تغييرية متاحة في الأيام الحالية، لهذا يسهم الجميع في المحافظة عليه وتنميته في إطار وحدة حراكية جامعة، تفرض ولوج طريق التغيير، أي السير بالوطن في اتّجاه التغيير المنشود، عوض السير في الاتجاه المعاكس، أو السير في الخط الموازي المراقب لحالة التذمّر، والعامل على استمالة الطمّاعين ومن هيمن عليهم الخوف فضيّعوا الاستعدادات الإلهية التي خلقوا مزوّدين بها. الطمّاع والمُساق إلى التأييد بطمعه أو خوفه يتحوّلان إلى أغبياء، بحكم أنّ الطمع معطّل للمواهب مُغَيِّبٌ للعقل، إذ يدفع صاحبه إلى كتابة حواشي لمتون لا معنى لها، فيعطيها أبعادا ما دارت في خلد من كلّفه بكتابة هذه الحاشية.

الحراك وطني، لهذا كان الخروج إلى الشارع تعبيرا عن الحرص الشديد على الوطن من الضياع، فوقف سدًّا منيعا أمام محاولات اختطاف الوطن مرّة أخرى من قبل قوى محلية أو دولية، حراك الشعب الجزائري وعي استراتيجي يبعث على الأمل في غد ليس فيه لآليات الفساد والإفساد موقع، وعي استعاد بموجبه الشعب الإيمان بقدرته على إحداث التغيير، وزاد على الإيمان بقدراته تفعيلها مدافعة للاستبداد في شعاب الحياة، فلم يؤخّر الأمر؛ بل تحرّك بما وهبه الله من استعدادات وملكات، ولم يؤمن بترهات تنتهي إلى القول: بأنّنا سنحقق أهدافك نيابة عنك، فقال الحراك: أنا أعرف مقاصدي، فليس لك أن تحدد مقاصدي نيابة عني، فاتّفقت كلمة الحراكيين على أنّ تحقيق هذه الأهداف، لن يكون يغير حياة سياسية جديدة لا مكان فيها لمدّخرات نظام الاستبداد وتدوير الفساد، قوامها قوى سياسية تُسْتَنْبَت بمجرّد التصريح، والشعب هو الذي يمنح الاعتماد، وفي هذا المقام السلطة تصادق على تلك الإرادة الشعبية السيّدة، هذا هو المدخل إلى القطع مع نظام الاستبداد وتدوير الفساد، من غير هذا المسلك الواضح فنحن نجتر الخيبات، وإنّ غدا لناظره لقريب، بثبات الحراك على أهدافه الجامعة، وتطويره لقدرات مقاومة الاستبداد وتدوير الفساد من خلال قوى منتظمة مدعّمة للحراك تنظيرا وتطبيقا يبقى الحراك هو الأمل، وهو الحراك الفعّال المتنامي وعيا وتنسيقا.

قراءة 355 مرات آخر تعديل في الجمعة, 09 أكتوير 2020 20:57