الإثنين, 12 أكتوير 2020 10:44

الحراك وعي مُتعدَد مميز

كتب بواسطة : د. عمار جيدل / باحث وكاتب

يمثّل الحراك وعيا إذا نظرنا إليه من زاوية استعادة الشعب أهمية قدراته الجماعية المُفَعَّلَة على إحداث قطيعة بين الغيبوبة التي فرضت عليه وحضوره الدائم في تقرير مصير الوطن، فهو بهذا المعنى استفاقة يتعّين الحفاظ عليها بتنميتها تنمية جماعية متواكبة أي متزامنة مع الأحداث والوعي الجماعي، أي تجاوز فكرة النمو المتسارع في جهة والبطيء في جهات أخرى، فلا ينمو وعي جهة ويخبو في جهات أخرى، بل المطلوب تواكب النمو، لأنّه سيكون مانعا من استعمال جهة من جهات الوطن ضد جهات أخرى سواء مناطقيا أو فكريا أو سياسيا، لهذا فإنّ من أهمّ متطلبات الحفاظ على الحراك:

- تنميته تنمية جماعية، وهذا يُعدَ ضمانة مهمّة لمنع تخلّف بعضنا عن بعض في مناصرة قضايانا الجوهرية في مدافعة الاستبداد وتدوير الفساد.

- الحركية بمعنى الوعي ليس مكسبا جامدا، فهو ظاهرة بشرية تتعرّض لمؤامرات إفراغ من المحتوى، ومؤامرات شراء الذمم، ومؤامرات الكيد بالفاعلين الحقيقيين، ومؤامرات صناعة القيادات الضرار، ومؤامرات الاختراق، ومؤامرات الاحتراق المبكّر للقيادات الأنانية، ومؤامرات التغيير التدريجي لمحتوى المعارك الرئيسة في مواجهة الثالوث الخطير الحامي للاستبداد وتدوير الفساد، إنّه تحالف: السفالة والصفاقة والرداءة. ولأنّ وعي الحراك متحرّك كسبا وتضييعا، فهو مرتبط بحركية الوعي نفسه، فإنّ أهمّ ما يطلب السهر عليه، هو زيادة منسوب الوعي بالقدرات والاستعدادت الفردية والجماعية على إحداث القطيعة المستغرقة في الوقت.

- تنمية الوعي يفرض استعادة كلّ من ضلت به السبل بعد التَتْييه التي ضربته عليه التمويهات التي سرّبت إلى الوعي الجمعي، وبعد استفاقة من رحلة التيه وانقشاع الضباب، وظهور التلبيس الذي ساق بعضنا إلى معاداة الحراك ضمنيا أو مباشرا في سياقات التدافع مع الاستبداد، استعاد بعضنا رشده، فهؤلاء الحراك حراكهم، وليسوا غرباء عنه، ولكن الحفاظ على قوّة الحراك النفسية وفعاليته الاجتماعي والجماعية يفرض الترحيب بهم وإنزالهم المنزلة اللائقة بهم، ولكن الحفاظ عليهم والحفاظ على الحراك يفرض أن لا يتقدّموا في التوجيه والإرشاد إلاّ بقدر الثقة المكتسبة ميدانيا مع الوقت.

- الحراك بمعنى الوعي بالاستعدادات والقدرات الفردية والجماعية على إحداث التغيير السلس، وكونه وعيا بأهميتنا الفردية الجماعية في بناء الوطن وتنميته والحفاظ عليها، فليس هناك من النزهاء من ليس مهما للوطن، ويفرض هذا التأسي الجماعي لثقافة التعايش المبني على الاحترام المتبادل بين مكوّنات المجتمع، واحترام دينه وأعرافه المعتبرة، من المكاسب التي يتعيّن تنميتها للتحوّل إلى ميثاق شرف بين الفاعلين النزهاء، يلتزمون فيه بوحدة المسار في تفعيل وعينا الجمعي بأهميتنا الجماعية للوطن، ويقرون بأنّهم ملتزمون بالحركة الجماعية نحو تقرير مصير الوطن، فَنُطَعَّمُ تطعيما جماعيا ضد استفراد الاستبداد والآليات الجهنمية لتدوير الفساد والتوريط فيه، فنكون حذرين من محاولات تسريب الرشوة السياسية والمالية أو المعنوية لبعضنا، لأنّها ستكون نذير شؤم على الوعي الجماعي، وستكون القاصمة لوحدتنا.

أما الحراك بوصفه مسارا في مدافعة الاستبداد وتدوير الفساد، فإنّ الاستبداد وتدوير الفساد لم يولد مكتملا بل تشكّل في زمن ليس بقصير، لأنّ الناس لم يولدوا مستبدين ولا فاسدين، ولكنهم صاروا مستبدين فاسدين بفعل التوريط، فورّط بعضهم بعضا في صناعة الفساد أولا ثم وحمايته حفاظا على الاستبداد، أي تحالف الثلاثي (العرش- السلطة-، والقرش-المال-، والكرش-الطمع-) تشكّل في الزمن وورّط كثيرا من الخلق في مختلف دواليب الدولة، وهذا لا يدفع مرّة واحدة في وقت قصير، لمن رام الحفاظ على الوطن ومكاسبه الجماعية الوطنية الصميمية. من هنا، فإنّ الحراك وعي يستغرق الزمن، وينمو كنمو الأفراد والدول تماما، يتعيّن التخطيط فيه للحفاظ على المكاسب الجماعية، فالإيمان بأنّ الحراك بوصفه وعيا جماعيا وقوّة لا يستهان بها في ولوج طريق مدافعة الفساد من المكاسب التي يستهان بها، وخاصة أنّها ولدت من رحم المعاناة بعد تيه وجدنا أنفسنا فيه كمجتمع ودولة.

قراءة 209 مرات آخر تعديل في الإثنين, 12 أكتوير 2020 10:57