الثلاثاء, 03 نوفمبر 2020 16:32

ماذا يعني "التورط الجزائري" في مستنقع الحرب بالوكالة في الساحل إنقاذا لفرنسا؟ مميز

كتب بواسطة :

مُهمَ الإلمام بالإستراتيجية العسكرية الاستعمارية الفرنسية في مالي، تحديدا، ولماذا هي بحاجة إلى توريط الجزائر، عسكريا، في مستنقع الرمال المتحركة هناك، مع إدراك طبيعة "العدو" الافتراضي الشَبح في مالي، الذي ستقاتله القوات المتورطة في حرب بالوكالة عن فرنسا، هذا من دون الخوض في تفاصيل عن "القاعدة" و"داعش"، لأنه يلزمنا الرجوع إلى الجذور التاريخية وليس هذا مقامه ولا وقته، لكن مهم جدا هنا التفرقة بين عصابات التهريب والمخدرات وبين جماعات العنف المسلحة ذات العقيدة القتالية المختلفة تماما واللصيقة بالسكان وليست إلا جزءا من النسيج الاجتماعي المحلي، وإن كانت مخترقة من مجموعات وظيفية ودوائر استخبارية، لكن هذا لا يُعلم حجمه وأثره، وثقل الجماعات المسلحة العقدية أكبر من أي مجموعات أخرى وأكثر انسيابا وانتشارا، وقدرتها أقوى على التكيف مع الظروف القاسية ومختلف الإستراتيجيات العسكرية المحاربة....

وستجد القوات المتورطة، نفسها، أمام ساحة معارك معقدة وخريطة متشابكة وعدو مغروس ومبثوث في النسيج الاجتماعي القبلي والعشائري، وسيرون فيها قوات غازية ومحتلة تجب مقاومتها ودحرها، دفاعا عن أرضها وديارها وعرضها، وهنا المصيدة الكبرى.

وتحوَلت منطقة الساحل، في الفترة الأخيرة، إلى أكبر خزان لمقاتلي لتنظيمات العنف المسلح العقدية، وانتقلت بؤر الصراع والتمرد المسلح، كثافة وسيطرة، من المشرق، وتحديدا من سوريا والعراق، إلى منطقة الساحل، وهي بهذا مرشحة لأن تكون أكبر ساحة استنزاف في حرب العصابات في الوقت الحالي، ويُراد توريط قواتنا في هذا المستنقع الآسن.

ويثير انتقاد العمليات العسكرية الفرنسية في منطقة الساحل بإفريقيا أسئلة حول إرث الجيش الفرنسي من العمليات الاستعمارية ومكافحة التمرد، وامتداداته اليوم. الجيش الفرنسي هو وريث الممارسات والإستراتيجيات التي نشأت في العمليات الاستعمارية في القرن التاسع عشر والحرب الباردة.

وتعكس عملية "برخان" الفرنسية الحربية في مالي، التي بدأت في مالي عام 2014، العقيدة الجديدة، مما يعني أن الجيش الفرنسي يقصر نفسه على التركيز على السيطرة الأمنية في انتظار أن يقوم وكلاؤه المحليون بالعمل السياسي، مع جرَ حلفائه ومستعمراته القديمة لخوض الحرب، برا، نيابة عنه.

وتعود جذور عقيدة "مكافحة التمرد" الفرنسية في القرن التاسع عشر إلى المارشال توماس روبرت بوجو، الذي أمّن الجزائر لفرنسا من خلال إخماد تمرد كبير في أربعينيات القرن التاسع عشر. وابتكروا بعدها مفهوم "بقعة الزيت"، حيث تؤمن القوات مناطق محددة وتعمل على التأثير بشكل إيجابي على السكان داخل تلك المنطقة، وتوسيع "البقعة" تدريجيًا بمرور الوقت، وتقسيم المنطقة المعنيَة إلى شبكة لغرض المراقبة والشرطة المكثفة.

وجاءت الخطوة الرئيسية التالية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، حيث قدموا مفهوم "التهدئة"، وأي مناقشة للتحولات في إستراتيجيتهم الحربية يجب أن لا تغفل حقيقة أنهم لم يفعلوا دائمًا ما قالوا، وإنما كانوا يخدعون الجمهور بإخفاء واقع العمليات الاستعمارية خلف واجهة إنسانية نسبيا. ومع ذلك، توسعت عقولهم التخطيطية في فكرة إستراتيجية تتمحور حول السكان، وركَز هذا النهج على حماية السكان وحشدهم من خلال الحد من العنف لصالح العمل "السياسي" الذي يهدف إلى كسب ما أصبح يشار إليه لاحقا باسم "القلوب والعقول".

ومنذ استقلال الجزائر، لم تتوقف فرنسا عن مشاركتها في حروب صغيرة، كانت مكافحة التمرد ذات صلة بها، ولكن وجدت نفسها في وضع يتعين عليها إنجاز الكثير بالقليل، وتحمل مخاطر كبيرة، والعمل على دعم الدول المضيفة (المحتلة)، مما يعني أن عديدا من الأنشطة السياسية للجيوش الاستعمارية المنخرطة في عقيدة مكافحة التمرد في حقبة الاستعمار والحرب الباردة لم تعد مناسبة.

وكان عبء هذا العمل الآن، في عمليات ما بعد الاستعمار المباشر، على عاتق الدولة المضيفة (المحتلة)، وحتى عندما تنجح، نسبيا، التدخلات العسكرية، فإنها تزعزع الاستقرار على المدى الطويل، وتسلط الضوء على العبث والتحطيم الهائل للمجتمعات المحلية بسبب سياسة أمنية مُرعبة ومُخربة، وإجراءاتها التكتيكية المُماثلة، إلى حد كبير، للحقبة الاستعمارية.

يُدير الفرنسيون عملياتهم العسكرية وفقًا لحساباتهم ومصالحهم الخاصة، لكن الحسم النهائي لمشروع احتلالهم ونهبهم بيد السكان المحليين. في يناير 2013، تدخلت فرنسا عسكريًا في مالي تخت غطاء محاربة "الجماعات الجهادية المسلحة"، ونشرت فرنسا لواء (حوالي 4000 جندي).

كان التدخل العسكري، المعروف باسم عملية "سيرفال"، محكوما بالنمط التقليدي لحرب العصابات ومكافحة التمرد المسلح، وردت جماعات العنف المسلح بشن حملة مسلحة غير متكافئة ضد القوات الفرنسية والمالية والأممية. ثم بعد فشل "سيرفال"، تحولت إلى عملية "برخان" المفتوحة، والتي تغطي عملياتها العسكرية منطقة الساحل بأكملها تقريبا، من موريتانيا إلى تشاد.

كانت عملية "برخان" تضم في البداية 3500 جنديا، لكن هذا العدد قد ارتفع ببطء، ووصل إلى 5100 جنديا في أوائل عام 2020. واعتبارا من 7 أكتوبر 2020، تم دعمهم بسبع طائرات مقاتلة وثلاث طائرات مسيرة مسلحة من طراز ريبر و22 طائرة هليكوبتر. وتتلقى "برخان" أيضا دعمًا من بعض الدول الأوروبية، وتحديدا بطائرات هليكوبتر، فضلاً عن الدعم اللوجستي والاستخباراتي الأمريكي. وتحاول فرنسا تدويل عملية "برخان" بحجم أكبر من خلال عملية "تاكوبا"، والتي ستشمل مئات من قوات العمليات الخاصة التي تساهم بها عدة دول أوروبية.

وتواجه عملية "برخان" تحديا أكبر من سابقتها "سيرفال"، فقد استمدت جماعات العنف المسلح المقاتلة قوتها من النزاعات المحلية والاستياء الشعبي المحلي العام، وتطور قتالها إلى حركات تمرد متداخلة ومرتبطة بعديد من المجتمعات المحلية، وقد تمددت الأزمة واتسعت رقعتها من شمال مالي وأشعلت النيران في وسط مالي وبوركينا فاسو وأجزاء من النيجر. وحسب تقارير المنظمات المراقبة لسير الحرب، فإن الفرنسيين وحلفائهم المحليين يتراجعون أمام ضربات جماعات العنف المسلح المحلية، خاصة، وهنا، يُتوقع من الجزائر إسنادا عسكريا بريا، بعد إخفاق الجيوش المحلية لدول الساحل، وربما غير مسبوق منذ الاستقلال، في عملية "برخان" الفرنسية، بدءا من مالي، لإحداث تغييرات على الأرض، بما يرجح كفة الغزاة، وإنقاذا للجمود الفرنسي العسكري.

وما تريده فرنسا ببساطة، الآن (وهي المُحبطة من ضعف جيوش الساحل المتورطة معها منذ البداية، وقد خاب تعويلها على تقاسم الأعباء القتالية مع الجيوش المحلية، وخاصة من تقدم الجيش المالي) هو إيصال الوضع إلى النقطة التي يمكنها فيها ترك الأمور للقوات المحلية والوكلاء من المستعمرات القديمة (ومنها الجزائر)، فما عادت تطمح إلى فرض التهدئة في منطقة الساحل أو هزيمة المسلحين المتمردين، إذ الحقيقة أن الجيش الفرنسي قد خصص لنفسه حضورا محدودا، وهذا لا يعني أن فرنسا تخلت عن نهجها الحربي الموروث، وإنما يعني، فقط، أن الجيش الفرنسي قد نأى بنفسه عن معظم التبعات والأعباء، والنشاط الرئيسي لعملية "برخان" الفرنسية، هو تدريب القوات المحلية، وغيَروا مصطلح تدريب القوات الأجنبية من "المساعدة العسكرية العملياتية" إلى "الشراكة العسكرية العملياتية" للتراجع عن الظهور بمظهر الشقيق الأكبر لمستعمراتها القديمة، ليتحمل العبء الأكبر حكومات منطقة الساحل والصحراء (ومنها الجزائر) وجيوشها.

الإستراتيجية الفرنسية في منطقة الساحل قد تستغرق وقتا طويلا، ومن غير المرجح أن تنسحب فرنسا تماما من مالي، على الأقل في المدى المتوسط، وستغادر في الأخير كما غادرت القوات الأمريكية المحتلة أفغانستان والعراق، في غضون ذلك، ستميل فرنسا إلى أن تكون أكثر استعمارية، بمعنى أنها ستتدخل في توجيه السياسات وصناعتها بصفة مباشرة أكثر. لم تنجح فرنسا، حتى الآن، في منطقة الساحل، ووضعها يزداد سوءا، وكانت السنوات من 2017 إلى 2019 أكثر عنفا من عامي 2012 و2013، وتجد باريس نفسها الآن عالقة في منطقة الساحل، مثلما وجدت الولايات المتحدة نفسها في أفغانستان والعراق، حيث أنفقت سنوات ومليارات الدولارات على محاربة جماعات العنف المسلح العقدية المتنقلة في مناطق صعبة وغير مألوفة، دون نهاية في الأفق.

قراءة 260 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 03 نوفمبر 2020 16:51