الأربعاء, 02 ديسمبر 2020 12:38

ما كان للرئيس المرزوقي أن ينحاز لطرف دون آخر في قضية الصحراء المعقدة مميز

كتب بواسطة :

الرئيس التونسي الأسبق الدكتور منصف المرزوقي أن الصحراويين هم بمثابة رهائن خيار سياسي خاطئ للنظام الجزائري، ووصف مطلب الانفصال الصحراوي عن المغرب بأنه "وهم يبيعه النظام الجزائري للصحراويين")، ما كان للرئيس المرزوقي، المثقف الشهم الأصيل، ويحظى باحترام وتقدير شعبي كبير، أن يتورط في الانحياز لطرف دون آخر، فالقضية مُعقدة ومتشابكة، وكلا طرفي الصراع (المخزن والسلطة الفعلية) مستفيد منه ويستثمره سياسيا وعسكريا، وورث القصر في الرباط أطماعا توسعية أفصح عنها الملك الراحل الحسن الثاني وناور وقايض تحقيقا لها، والصحراويون، عموما، يريدون تقرير المصير والمغرب يريد تثبيت المصير، وبين هذا وذاك تباين وتنافر واستقطاب.. وليت الرئيس المرزوقي استفاد من الحياد الفعَال لموريتانيا.

وقد برز ملف الصحراء الغربية واحدا من أهم وأكثر "الملفات المحظورة" تأثيرا في علاقات المغرب والجزائر بل وفي مسيرة اتحاد المغرب العربي ككل. وفي الجزائر كما في المغرب، صنعت منه مراكز السيطرة قنبلة موقوتة تنفجر في وجه من يلامسها، لكن ما سر هذا الغموض والحساسية في هذا الملف، ولماذا ارتبط مصير العلاقات بين البلدين المشدودين بوثاق الدين واللغة والتاريخ والجغرافيا بقضية الصحراء الغربية؟ هذه مسألة معقدة وشائكة، أولها إرث استعماري، ووسطها حسابات دول ما بعد الاستقلال، ونهايتها ورقة بيد مراكز السيطرة تسيرها بما يضمن لمختلف الأطراف التحكم في مسار النزاع.

وظل ملف الصحراء الغربية المانع الأكبر لأي علاقة قوية ومثمرة بين البلدين الجارين، وهو أم الأزمات، وباني الحواجز، ومانع الثقة، ومولد الضغائن، وموقظ الفتن، وأصل كل بلية بين الجارين الشقيقين. ويرى فيه بعض المراقبين أنه من نوع الخلاف الذي يُتوارث وتنتقل عدواه حتى إلى القوى السياسية الجديدة، ربما لأنه ممتد في طول التاريخ وعرضه، وأحاطت به الشكوك من كل جوانبه، وتخطفته هواجس المؤامرات، وأغلقت عليه المنافذ قبضة السلطة الفعلية والقصر المغربي، ولكن حتى إن غابت إرادة الحل والتسوية النهائية، فلا أقل من إدارة هذا الملف المستعصي والمعقد بما يحقق للبلدين إرساء تعاون اقتصادي حقيقي. والحل لا يأتي عبر حزمة وجرعة واحدة، لأن قبضة القصر والسلطة لا تسمحان بأي نقاش حول المسألة خارج مجالسها ودوائرها، لكن المشكلة وإن عمَرت طويلا، إلا أنها قد لا تتحمل المزيد من التعقيد.

وليس ثمة إرادة سياسية للمتحكمين في النزاع للبحث عن حل مرض لكل الأطراف المعنية. والشعوب المغاربية إن انتزعت حقها في اختيار من يحكمها وكانت السلطة بيدها لما عمَر هذا النزاع لعقود، فالشعوب تدرك مصالحا وقدرتها أكبر على تجاوز الإرث الاستعماري، ولن يحول بينها حاجز أو نزاع، لكنها الدكتاتوريات تتحكم في مصائر الشعوب وتفرض عليها توجهات معاكسة لتطلعاتها وتعادي أي نهوض لها.

 ثم إن مسألة العلاقات بين المغرب والجزائر لا تهم البلدين، وفقط، فالأمر أكبر وأعمق من ذلك، وهو يرتبط بمصير اتحاد المغرب العربي المعطل منذ زمن، باعتبار الدولتين تمثلان قطبي المغرب العربي ومحوريه المركزيين، من حيث الموارد البشرية والناتج الخام الإجمالي للمنطقة، ويمكن تشبيههما بفرنسا وألمانيا في المجموعة الأوروبية، اللتين انتقلتا من حروب تاريخية طاحنة في السابق، إلى مبادرة بسيطة من الفحم والفولاذ جمعت بينهما في الخمسينيات من القرن الماضي، لتشكلا نواة تأسيس الاتحاد الأوروبي فيما بعد.

والدوائر الخارجية المتربصة المؤثرة في المنطقة المغاربية، وخاصة فرنسا، تلعب على الحبلين وتنحاز لطرف دون آخر وتنفخ في القضية، من حين لآخر، لأنه من مصلحتها الجغرافية السياسية إبقاء الملف الصحراوي مشتعلا، ففيه استنزاف لكلا طرفي الصراع وغرق في مستنقعات النزاع، وعرقلة وإعاقة لأي انطلاقة أو نهوض للمنطقة المغاربية، بما يجعل منها قوة سياسية واقتصادية مؤثرة مزاحمة، وسباق نحو التسلح تستفيد من بعض صفقاته، وضرب لأي تكامل مغاربي طموح وواعد قد يحقق قدرا من الاكتفاء الذاتي، بسياسة الاعتماد المتبادل، وهو ما لا يخدم مصالح غرب المتوسط بأي حال من الأحوال.

قراءة 444 مرات