الأحد, 03 جانفي 2021 16:37

نصف ثورة يعني العودة إلى المربع الأول وربما أسوأ مميز

كتب بواسطة :

لسنا أمام ترف الاختيار والتأمل، ولا وقت لدينا للإغراق في اللحظة ومتعة الانتظار والتجريد والتوصيف، فإما أن نتجاوز الحفر ونقاوم طاعون الاستبداد وندفعه، تدريجيا، ليغادر حياتنا وبلادنا، وإما أن نطيل عمره ونمدد آجاله بالتفرج وتضخم "الأنا" والتوجس وخوض معارك جانبية، ونضيع بهذا فرصة تاريخية للتغيير...تجمعنا رؤية وتصور لدحر الطغيان، ونداء عام لرص الصفوف والعودة للساحات والميادين، والتفاصيل مؤجلة والبرامج ليس هذا أوانها، ولا يُقدم على شر الاستبداد والتسلط شرور..ليس هذا وقت اصطناع زعامات ولا الانتفاخ والاغترار بالموقف والانغلاق في دائرة ضيقة..

الثورة أكبر منا، من دونها لا قيمة لنا بل كتلة مهملة.. وُلدنا، تأثيرا وضغطا، مع الثورة، والتغيير قضية رأي عام، ومن دون إسناد شعبي واسع لا يمكن لأي تغيير ممكن أن يتحقق. الانسحاب جُبن، والتفرد انتحار، والغرور مهلكة، والتردد خذلان، ولا بديل عن الميدان ولا قوة ضغط أكبر من الشارع، والعقل الجمعي أقدر على إدارة الصراع وتقدير الموقف..

يُمكن لمن يرتضي اختصار طريق الحراك الشعبي والتدافع بمصالحة مع قوى الثورة المضادة والنظام القديم المتجدد، أن يرى في مصر السيسي نموذجا لما يمكن أن يكون عليه مستقبل البلاد: عودة الشبكة العميقة للسيطرة على الدولة، وتقرير أحادي لمصير البلد، وتمدَد موجة العسكرة إلى أقصى ما يمكن أن تصل إليه، والحكم بالخوف والتهديد، وإخضاع البلد لمصالح القوى الخارجية المؤثرة، هذا ما ستقود إليه ثورة منتصف الطريق وأنصاف الثورات..وبلا أوهام ولا خداع للنفس، ليس أمامنا إلا أحد خيارين: إما الخضوع لسيطرة أجهزة القمع وخطف الدولة، أو المُضيَ في هذا المسار الثوري السلمي التدافعي ..ولن يتمكن أحد، أيا كان، من إيقاف حركة التغيير الشعبية عند الحدَ الذي يريده، ما لم تُرد هي ذلك، غفلة أو عجزا أو انهيارا.

والانقسام الذي واجهته الثورات العربية، الذي يعود في جذوره إلى انهيار الإجماع في المجال العربي الإسلامي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان أعمق بكثير، وأكثر فداحة مما عرفته أية ثورة شعبية في العالم في خلال نصف القرن الماضي، ولهذا كانت مهمة الحركة التغييرية الشعبية في البلاد العربية (ومنها بلادنا) أعقد وأصعب مما عرفته ثورات في مناطق أخرى من العالم. 

قراءة 317 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 27 جانفي 2021 13:00