الثلاثاء, 12 جانفي 2021 09:38

الأيديولوجية الأمنية تدمر الممارسة السياسية مميز

كتب بواسطة : د.رضوان بوجمعة / أستاذ الإعلام

تمر اليوم 29 سنة كاملة من تاريخ استقالة أو إقالة الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، وهي الاستقالة التي تابعها مباشرة قرار توقيف المسار الديمقراطي وفرض حالة الطوارئ في التاسع فيفري 1992، والتي لم ترفع إلا في سنة 2011 أي بعد 19 سنة! توقيف المسار الديمقراطي صفّقت له كل القوى الحزبية بمختلف ألوانها الأيديولوجية التي لم تحصل على أي مقعد في البرلمان، كما أيدته كل الأجهزة الإعلامية التي استفادت بعدها من ملايير الريع الاشهاري والتسهيلات الإدارية والجبائية واللوجستية.

وفي كل مرة تحل هذه الذكرى إلا ويتحرك المؤدلجون من أجل إنتاج تلوث رمزي يمنعنا من قراءة ما حدث وآأثاره الكارثية على المجتمع بعيدا عن الخلفيات الأيديولوجية وحسابات الأجهزة الحزبية وكل المنتفعين من ريع "البولتيك" والدعاية.

* العنصرية الاجتماعية لنخب الصالونات والأجهزة:

منتجو التلوث الرمزي يوجدون في كل "النخب" من نخب الصالونات والأجهزة، وهؤلاء يحاولون كل على مستواه تبرير تأييده الانقلاب على الإرادة الشعبية المعبر عنها في الدور الأول من أول اقتراع تشريعي تعددي عرفته الجزائر في ديسمبر 91، وهؤلاء يحاولون -كل على مستواه- تزوير التاريخ بعد أن شوهوا الواقع وساهموا في حملات التضليل والكذب والتزوير، بل ودفعوا المجتمع نحو العنف وبرروه باسم الدفاع عن الجمهورية أو الوطنية أو الإسلام، وكل هؤلاء وعلى الرغم من اختلافات ألسنتهم ونبرات أصواتهم وألوان دكاكينهم الحزبية والإعلامية متفقون على شيء واحد وأساسي وهو احتقار الشعب وممارسة عنصرية اجتماعية مقيتة ضده، عنصرية لا تختلف عن عنصرية "الكولون" والأقدام السوداء في عمقها وبنيتها.

العنصرية الاجتماعية واحتقار الشعب، هو عامل مشترك بين هؤلاء، بين ذلك الذي قال إنه أخطأ في المجتمع بعدما خرج فارغ اليدين من صندوق الانتخاب، وبين من اعتقد نفسه رمزا للإسلام المتنور والمعتدل والذي كان يقول إن الشعب اختار الدهماء والشاقوريست، وبأن دبابات العسكر خرجت لتحمي الديمقراطية من اعدائها، وبين من وصف الشعب بالغاشي الذي لا يعرف الاختيار... وغيرهم، وكل هؤلاء اصطفوا صفا واحدا لتأييد الانقلاب وتبرير كل المجازر والكوارث التي أنتجتها سياسات انتحارية بايديلوجية أمنية تعتقد أن الحزب هو ملف إداري، وبأن المجتمع ظاهرة أمنية تسير أمنيا، وبأن القيادات السياسية هي واجهات مدنية مكلفة بتطبيق سياسة عنوانها "لا أريكم إلا ما أرى"!

وعلى الرغم من أن أحداث التاريخ في 29 سنة الماضية على الأقل تبين أن هؤلاء وأولئك متفقون في الجوهر وهو بقاء منظومة التعيين في قصر المرادية، ومنظومة التعيين في المجالس المنتخبة بمنطق المحاصصة الذي تعمق في كل الاقتراعات التعددية التي عرفتها الجزائر من 16 نوفمبر 1995 إلى 12 ديسمبر 2019.

* "أمننة" السياسة وتفكيك المجتمع:

هذه السياسات وهذه الأيديولوجية الأمنية وبالرغم من فشلها الذريع، وجرائمها التي خلفت أكثر من مئتي ألف قتيل وملايين المهجرين وآلاف المساجين والمختطفين، لكنها بقيت هي السائدة، وبالرغم من أن كل الاجهزة الإعلامية والحزبية والجمعوية التي صنعتها ورعتها واخترقتها هذه المنظومة، والتي صفقت وهللت لزروال وبوتفليقة، وأصبحت لا وزن لها ولا مصداقية لها، إلا أن هذه الأيديولوجية الأمنية مازالت تسكن الإعلام ودكاكينه، والبولتيك بقطيعه، وهي الآن في عملية إعادة تركيب نفسها من أجل دعم العددية الحزبية الإعلامية بدكاكين وبأجهزة وبأرقام أخرى وبعناوين جديدة وبمنطق قديم لا يزال يحلم بتسيير المجتمع بأدوات السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.

هذه الأيديولوجية الأمنية هي التي فرضت عبد العزيز بوتفليقة في الحكم، وحاولت اختصار أزمة منظومة الحكم في شخص بوتفليقة، وهي الأيديولوجية نفسها التي فرضت تبون في قصر المرادية وعرضت الوحدة الترابية للبلد لكل المخاطر بعد أن دفعت بمرشحين للرئاسة إلى الاقتراع مع مقاطعة شاملة لمنطقة بكاملها، حيث لم ينشط أي مرشح من هؤلاء الحملة الانتخابية لا في بجاية ولا في تيزي وزو، وكأن هذه الولايات خارج الجزائر، وهي التي تدفع كذلك إلى إنتاج هويات قاتلة باسم الأمازيغية أو العروبة أو الإسلام..

كما أنها تعتقد أن الدفع ببعض الأسماء التي فرضتها في بلاطوهات الإعلام في بداية الحراك الشعبي إلى تأسيس واجهات حزبية جديدة بالمنطق الأمني نفسه كفيل بقتل طموحات الجزائريين والجزائريات في بناء دولة الحق والقانون، وهي الدولة التي لا يمكن أن تبنيها الأيديولوجية الأمنية لأن الأيديولوجية الأمنية دمرت الممارسة السياسية، وأنتجت العنف وزورت التاريخ وتلاعبه به وهي تهدد البلد في جغرافيته وفي وجوده ككيان سياسي وقانوني.

قراءة 213 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 12 جانفي 2021 09:59