الخميس, 14 جانفي 2021 07:58

في مواجهة حالة الانهيار مميز

كتب بواسطة :

هذه الثورة السلمية الجماهيرية الحاشدة التي فاجأت القاصي والداني وفاجأت صانعيها أنفسهم بحجمها الهائل وبتناميها المطرد وبتحديها إرادة الحكم، ووعيها المصمم على هدف التغيير، وبذكائها الجماعي في اكتشاف كل محاولات التضليل وزيف الوعود غير الحقيقية، وبقدرتها على تصعيد الموقف السياسي والتمسك بأهدافها، وبمحافظتها على السلمية في مواجهة عنف السلطة، لم تكن ذات قيادة مشتركة تعبر عنها وتتحدث باسمها، سواء من تنظيم واحد أو من عدد متحالف من التنظيمات.

ولعل ذلك كان من ذكائها الثوري في مرحلتها الأولى، لأن عدم تبلور القيادة في أشخاص معينين وفى زعامات وتنظيمات، وعدم وجود من يملك من هؤلاء اتخاذ القرار المسموع بالنسبة للجماهير، أسهم في شل قدرة الحكم على أن تتصل بمثل هؤلاء للتعامل معهم بالقمع أو بالعزل عن القواعد أو بالتضليل بالشائعات أو إثارة الفتن بين بعضهم بعضا.

وقد عُرف أن الحكم حاول الاتصال والحديث إلى بعض من ظن أنهم ممثلو الحركة الثورية ولم تنجح مساعيه، وكان أحد أسباب ذلك أنه لم يكن لفرد أو لعدة أفراد ولا لجماعة معينة أن تدعى أنها تملك السيطرة على الحشود الثائرة أو التأثير الفعال في حركتها. وأكثر ما يقوي السلطة المتصدعة المتهالكة هو حالة الشتات والتنافر لقوى التغيير..

ويبدو أن ما أسهم في إنجاح الثورة في الدفع رغم غياب القيادات والتنظيمات القادرة على السيطرة على حركة الجماهير هو هذه القدرة التي لدى الشعوب في أن تندرج في الأزمات في حالة شعورية واحدة ينجم عنها موقف واحد أو مواقف متجانسة، لكن كل هذا كان منطقيا وإنجازا في مرحلة العفوية الشعبية، وهذه أفادت في التعبئة والحشد ورص الصفوف، ولكن عندما يتعلق الأمر بتسديد الوجهة وإدارة الصراع السياسي ومنع انهيار الدولة (باعتبارها كيانا مؤسسيا)، وما هي السياسات التي يتعين اتخاذها، فليس لها إلا القيادة الجماعية أو تحالف سياسي يضم قوى التغيير الحقيقي، إذ لا يمكن أمام هذا التخبط الهائل وفوضى الحكم والتفكك المرعب والصراعات المستنزفة، التفرج على حالة الانهيار، وليس بالمقدور التأثير والتحرك الفعَال من دون تكتل سياسي ضاغط يستند إلى قوة إسناد شعبي..

فلا اهتمام للحكم، اليوم، لا بالسياسة ولا بالاقتصاد ولا بالمجتمع، وليس إلا الانغماس في صراعات ومعارك الانتقام والسيطرة على القرار والتحكم، وكتم أنفاس الشعب ووأد حراكه وثورته، وأما قضايا الأمن القومي، الحدود والساحل ومنطقة البحر المتوسط، فالتأثير فيه، الآن، للقوى الخارجية المؤثرة في الجغرافيا السياسية، وضعف الحكم وهشاشته وانغماسه في صراعات استنزاف وعزلته التامة عن الشعب يُغري بمزيد ارتهان وتراجع وانحسار.

قراءة 248 مرات آخر تعديل في الخميس, 14 جانفي 2021 10:11