الجمعة, 22 جانفي 2021 20:50

حاجة الحراك إلى عقل سياسي جمعي لإدارة الصراع مميز

كتب بواسطة :

الثورات تُحرر إرادة الشعب وترفع الوصاية عن حكمه وتمكنه من الاختيار الحر، هي قوة ضغط دافعة ومُلجئة للتغيير، وهذا المرجوَ من حراكنا السلمي، بموجاته ومساره، والشارع تمارس فيه الحرية والسياسة والتدافع، لا تتخلف السياسة عن أي مرحلة من مراحل التدافع، لكن أيَ سياسة؟ السياسة بمعنى تدبير شؤون الصراع بعيدا عما توهم السلطة بأنه "سياسة" وليس إلا خداعا وتضليلا..

والسياسة، بمعنى تدبير الصراع، هي في قلب الثورة وعقلها، فالشارع بلا تدبير سياسي أقرب إلى حالة احتقان وغضب يغلي في الصدور، تُبدَد طاقته الكامنة مع مرور الوقت، فالعقل السياسي الجمعي يُترجم حركة الشارع الدافعة إلى قوة ضغط ودفع تُجبر الحكم على التنازل دفعا، بعد استحالة التغيير من الداخل...والثورات لا تُعدَ بالأيام ولا بالشهور، وإنما هي مسار طويل صعب متعرج، وتغطي غالبا جيلين وثلاثة (من حيث الآثار والتحولات)، وتحدد ملامح المستقبل وتُحدث تحولات هائلة في المجتمع والعقول والأنفس، وزخمها لا ينقطع، يدير فيها العقل السياسي الصراع بمنطق ورؤية وإسناد شعبي واسع..

وحركة الثورة في الشارع تضبط المسار والبوصلة، والثورات السلمية تُبنى على "البطولة الهادئة"، وهذا انطلاقا من حسن تدبير وإدارة للصراع، ومنع تحويل الثورة إلى حركة مطالبة، إذ هي ذات نفس ومنطق ومسار تغييري. وتحتاج الثورة الشعبية إلى خطاب، ولا بد أن يكون خطابها هذا بسيطا، سهل الاستيعاب، وأن يكون جامعا لا مفرقا، وهذا يحتاج إلى سياسة، لغة ومنطقا وممارسة، ومن أهم شروط نجاح الثورات أن يركز الثوار على المبادئ الجامعة، ويتجنبوا الخوض في البرامج التفصيلية أثناء الثورة، والاختلاف وقت مقارعة الاستبداد مُهلك للثورات.

والثورات الشعبية مزيج من العفوية والتنظيم، فالعفوية تقيها من الاستئصال، والتنظيم يعينها على حسن التسديد، وهذا من تدبير العقل السياسي الجمعي، فليست الثورة اندفاعا متدفقا هائما، وإنما هي زخم الشارع بعقل ومنطق وتدبير، لترجمة حركة الثورة في الشارع إلى قوة ضغط سياسي دافعة. وكما كتب الفقيه السياسي الفرنسي (توكفيل) منذ مائة وخمسين عاما: "إن الثورة مثل الرواية، أصعب ما فيها هو نهايتها"، وإنما تحسن خواتيم الثورات إذا كان العقل السياسي لديها متقدما على الواقع العملي.  

قراءة 324 مرات آخر تعديل في السبت, 23 جانفي 2021 20:46