الأحد, 21 فيفري 2021 09:03

هل تتورط الجزائر في المستنقع...فرنسا تغرق في الساحل كما غرقت أمريكا في أفغانستان مميز

كتب بواسطة :

تقود فرنسا حربا لمكافحة "الإرهاب" في إفريقيا، وتحديدا في منطقة الساحل، منذ ثماني سنوات، ويدور القتال بشكل أساسي في ثلاث دول، مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ويمتد على مساحة أربعة أضعاف مساحة فرنسا نفسها.يمكن للجنود الفرنسيين القتال والموت في مالي، إذا تطلبت مصالح فرنسا ذلك، لكن لا يمكن للجنود الفرنسيين القتال والموت من أجل مالي، ناهيك عن أن غالبية الماليين لم يطلبوا منهم ذلك. وتحوبت الحرب التائهة إلى حصن منيع يحمي الحكم الاستبدادي في المنطقة، ولا يمكن (هذه الحرب) إلا أن تكون تغطية لمصالح فرنسا وتسترها عن نهبها لمستعمراتها السابقة. وقد رطت فرنسا جيوش المنطقة في مستنقع الساحل، لكنهم ليسوا على استعداد للبقاء على الخط في أي مكان دون دعم القوات الفرنسية والقوة الجوية وجمع المعلومات الاستخبارية الأمريكية والتدريب من القوى الغربية الأخرى.

وأفادت التقارير أن باريس كانت "تكافح من أجل إستراتيجية خروج" من أكبر عملياتها العسكرية الخارجية، في منطقة الساحل، والمكلفة بنحو 600 مليون يورو سنويا، منذ عام 2017 على الأقل. وعلى الرغم من أن الجيش الفرنسي يفتخر بنفسه في تعامله مع عمليات مكافحة التمرد، المنخفضة الحدة، إلا أن الحقيقة شيء مختلف، فباريس عالقة في منطقة الساحل، مثلما كانت واشنطن (ولا تزال) في أفغانستان والعراق، وتستنزفها ماليا وعسكريا، وتضغط على أحد أهم حلفائها في إفريقيا، الجزائر، للتورط في مستنقع الساحل تخفيفا للعبء العسكري عليها وإنقاذا للوضع، خاصة بعدما تبين لها الضعف الكبير لجيوش دول الساحل الخمس، وانكشف زيف التوقعات بأن "الحروب يجب أن تكون سريعة". فهل ثمة اتفاق مع الجزائر في هذا الاتجاه؟ فإن كان ثمة اتفاق، فيظل طيَ الكتمان ولم يتسرب منه إلا القليل، ولا يُعلم متى، ولا عدد القوات في الدفعة الأولى، ولا عن التمويل والعتاد، أما الوجهة، فتحددها فرنسا، وغالبا ما تكون مالي، المحطة الأولى، وهذا، حسب مراقبين، مغامرة عسكرية لا يمكن التنبؤ بمآلاتها وانعكاساتها، لكن من المرجح أن تحدث جدلا واضطرابا واختلالا داخليا.

***

ربما تكون القوات الفرنسية قد مهدت الطريق الاستعماري في غرب إفريقيا، لكن الضباط الأمريكيين هم من أعاد تنظيم وترتيب الحرب الاستعمارية الفرنسية على منطقة الساحل، انطلاقا من إستراتيجيتها العسكرية المطبقة في حروبها (أمريكا) الأخيرة في منطقة "الشرق الأوسط"، ويمارس، حاليا، عديد من الضباط والجنود الفرنسيين الأساطير "الجديدة" لتلك التي سوقتها أمريكا بعد هجمات سبتمبر، حتى إن بعض الضباط الفرنسيين يتحدثون عن "أمركة" جيشهم.

وفي هذا، نقل تقرير صادر عن "مجموعة الأزمات الدولية" أن "مكافحة الإرهاب الفرنسية (في منطقة الساحل) تُحاكي مكافحة الإرهاب الأمريكية منذ 15 عامًا".لكن أمريكا خففت من عبئها القتالي بعد مغامرات العراق وأفغانستان، واستبدلته بإستراتيجية إدارة الحرب بعيدا عن التورط بجنودها، واعتمادا على وكلائها، ويتمثل جزء كبير من إستراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة "الإرهاب" في منطقة الساحل وأماكن أخرى، في الوقت الحاليَ، في توفير الأسلحة والتدريب لقوات الأمن في البلدان الشريكة بدلاً من نشر القوات الأمريكية لمحاربة جماعات العنف المسلح. إذ لا توجد رغبة كبيرة في العودة إلى الوطن لتورط الجنود في المزيد من الحروب الخارجية، وتعطي إستراتيجية الأمن القومي الأولوية للتركيز على القوى المنافسة والمزاحمة، مثل الصين وروسيا وإيران.

وتُظهر وثيقة وزارة الدفاع الأمريكية التي رفعت عنها السرية في مايو 2019، أن الولايات المتحدة وافقت على تخصيص عشرات الملايين من الدولارات في التدريب والمعدات والأسلحة لقوات الأمن في جميع أنحاء غرب إفريقيا جنوب الصحراء، بما في ذلك مالي وبوركينا فاسو والنيجر وبنين وساحل العاج، ويقول كبار الضباط العسكريين إن مثل هذه البرامج ستزداد.

لكن على الرغم من المساعدة الأمريكية لمكافحة الإرهاب، وانتشار عشرات الآلاف من القوات المحلية والدولية في جميع أنحاء منطقة الساحل، فإن جماعات العنف المسلح تقود تمردا هو الأسرع نموًا في العالم. وقال تقرير داخلي للكونغرس الأمريكي، نُشر في أوائل عام 2020، إن الولايات المتحدة لم تعد تهدف إلى "إضعاف" الجماعات المتطرفة العنيفة في منطقة الساحل، بل تهدف إلى "احتوائها"، فقط، بعد ما وصفته الأمم المتحدة بأنه "زيادة مدمرة" في الهجمات المسلحة ضد الأهداف العسكرية. ووفقا لتقارير مختلفة، فإن لدى الولايات المتحدة حاليا أكثر من ألف جندي في غرب إفريقيا، معظمهم في النيجر.

وقد رفضت القيادة الأمريكية في إفريقيا ووزارة الدفاع الكشف عن أحدث الأرقام. وفي المقابل، تمتلك فرنسا 5100 جندي، مع استعداد دول أوروبية أخرى لإرسال جنود قريبا.ونقل تقرير أمريكي أن عديدا من المناطق التي نشهد فيها حركات التمرد هذه هي نتيجة شعور الناس في المناطق الريفية بالتهميش الكبير وفُشوَ الظلم، وعدم قدرة الحكومات على تلبية اهتماماتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وسوء الإدارة والحكم، وغالبا ما تستفيد القيادة المحلية من عدم الاستقرار، وفي هذا سجلت بلدان منطقة الساحل نتائج سيئة في مؤشر الفساد لمنظمة الشفافية الدولية، وكشفت المنظمة غير الحكومية نفسها في أن الضباط والمسؤولين النيجيريين كانوا يسرقون الأموال المخصصة لمحاربة "بوكو حرام"، وأن فسادهم ساعد بشكل مباشر في صعود الجماعة.

وفي هذا السياق، أوضح الباحث كويسي أنينج، مدير كلية الشؤون الأكاديمية والبحوث في مركز كوفي عنان الدولي للتدريب على حفظ السلام في غانا، أن "افتتان أمريكا اللامتناهي بالإرهاب والتطرف مكَن الديكتاتوريين من تعلم كيفية صياغة روايتهم وعلاقاتهم مع الولايات المتحدة في خطاب منع الإرهاب".

وقد استنتجت دراسة نُشرت عام 2017 في مجلة Peace Research أنه في الفترة من 1970 إلى 2009، 165 من أصل 275 انقلابًا مدعومًا من الجيش في جميع أنحاء العالم، تلقى أفراد قوات الأمن في ذلك البلد بعض التدريبات العسكرية الأمريكية في العام السابق للانقلاب، وتم تدريب ما لا يقل عن 17 ضابطًا عسكريًا أجنبيًا رفيع المستوى، بما في ذلك خمسة جنرالات، من خلال التعليم والتدريب العسكري الدولي في واشنطن ( IMET) بين عامي 1985 و2010 اتهموا لاحقًا بارتكاب انتهاكات جنائية وانتهاكات حقوق الإنسان.في إفريقيا وحدها، ومنذ تأسيس أفريكوم عام 2008، تشمل قائمة الانقلابات ومحاولات الانقلاب التي قام بها ضباط عسكريون دربتهم الولايات المتحدة: بوركينا فاسو (2014)؛ بوروندي (2015)؛ مصر (2013)؛ غامبيا (2014)؛ ليبيا (2014)؛ مالي (2012، 2020)؛ وموريتانيا (2008).

لكن في الأخير، ما يميز العقيدة الحربية الفرنسية في الساحل عن نظيرتها الأمريكية في الشرق، أنها أقل طموحا بشأن ما يمكن تحقيقه، وأكثر اعتمادا على الدولة المضيفة وعلى وكلائها وحلفائها، وتعمل على توريط أكثر عدد منهم، وربما كان آخرهم: الجزائر. 

قراءة 412 مرات آخر تعديل في الإثنين, 01 مارس 2021 23:06