الإثنين, 01 مارس 2021 06:07

ذكرى استشهاد "د.حسن بن خدة"...أرادوا اغتيال السلمية بمقتله فسقاها بدمائه مميز

كتب بواسطة :

مرت سنتان على مقتل الشهيد "حسن بن خدة (نجل الرئيس بن يوسف بن خدة)  في الجمعة الثانية من الحراك الشعبي السلمي (01 مارس 2019)، من دون أيَ تحرك من القضاء للبحث والتحري عن حقيقة مقتله، والصمت الرهيب سيد الموقف، والشهيد هو الأجدر بالحقيقة، فمقتله كان غيلة وغدرا، وتلفت نفسه وسط الجموع المطالبة بالتغيير السلمي، وجريمته أنه سار مع ركب الأحرار التواقين للحرية، و أنه رفع عن نفسه عيب الصمت المخذّل. ومشكلة شهيد الحراك المغدور به ألا معرفة له في الخارج تسانده، ولا تتحدث عن الظلم الذي وقع عليه، ولا جهة له في الداخل تُلحَ في طلب الحقيقة عن مقتله وتنتصر لضحايا القمع الأمني للحراك..

وقد أصبح الإعلام الخاضع قبرا للمروءة، كما هو قبر للحمية والعزة، ومن طالب بالحقيقة فقد احترم إنسانيته وكرامته، والصمت القاتل الذي نمارسه ضد الأحرار الشرفاء المغدور بهم من ضحايا القمع الأمني مُهبط للكرامة، ومُضيَع للحقوق وناشر للذل والهوان. كان صاحب همَ وهمَة، من معدن أصيل راسخ الانتماء، تخرج من أرقى الجامعات في إنجلترا، حادَ الذكاء، ديَن ورع متعفف، بارع في تخصصه، تشهد له بها شركات عالمية عملاقة انتسب إليها في فترة إقامته في بريطانيا وكذا شركات اتصالات محلية ارتبط بها لفترة بعد عودته..منفّذ لما يؤمن به، وكان كما هو، من دون تكلف ولا تصنع ولا تظاهر، ولا يتكبر إلا صغير حقير..

وأجدر الناس بالكرامة: من تلفتت نفسه ليستعيد شعبه حقوقه وكرامته. خرج في جمعة 01 مارس 2019 (الجمعة الثانية للحراك الشعبي) ولا يدري عن مصيره شيئا، إلا أنه مقدام لا يُحجم، ومقبل لا يدبر، ولا يفزع عندما يفزع الناس، هادئ الطبع تعلوه ملامحه سكينة، ذو سمت غير هيَاب، صبور جلد، جادَ يترفع عن الصغائر والدنايا، قليل الكلام، فالمرء إذا امتلأ: سكت، ونطق عنه حاله، ولم تكن به حاجة إلى دعاية لنفسه، وهذا في زمن أُهمل فيه ذوو الكفاءة والمروءة ونظافة اليد...

رأى إهمال الثقات، وصعود النكرات، وتمكين للفساد والمفسدين، وتوسيد الأمور إلى غير أهلها، حتى ليعجب أحدنا إذا رأى شيئا مستويا، لندرته. والرجل صاحب نجدة ونخوة وغيرة، يكره الظلم بطبعه، سليل عائلة سياسية ثورية عريقة، من جهة الأم والأب. الشهيد "الرمز"، وإن لم يكن حريصا ولا مهتما لا بالظهور ولا بالتصدر، لكن لعل الله اختاره من بين الملايين اصطفاء له، ليرفع ذكره ويُعلي شأنه، في الدنيا والآخرة...

و"الرمزية" أقبلت عليه وهو عنها مُعرض، وهو بها أجدر وأحق. اغتيل مرتان، مرة في معمعة الحراك، وفي الجمعة التي حشدت لها العصابة البوتفليقية رجال المال القذر والبلطجية وقوات الشرطة لضرب الثورة من داخلها وبث الهلع في أوساط المتظاهرين ونشر الرعب، فما فزع الرجل ولا انسحب، بل سار مع الركب رفقة إخوانه وأفراد عائلته، رافضا لأي اصطدام مع قوات الشرطة، عارفا بحيل وخبث تحالف الاستبداد والفوضى فنأى بنفسه مع صحبه، لكن انهالوا عليه بالحجارة فسقط شهيدا مُدميا وهو يحلم بأن يهزم هذا التحالف البغيض الناهب الناهش.

 وقتلوه، ثانية، بأن أهملوا ذكره ولم يتتبعوا حقيقة مقتله، وفرضوا على قضيته طوقا من النسيان وستارا كثيفا من التجاهل، لكن يأبى الله تعالى، غيرة على عبده، أن تُطوى أخباره ويغمره التجاهل، فيُقيض له من يحيي ذكراه ويرفع صوره، فهو الأحق بـ"رمزية" هذه الثورة السلمية الضاغطة الرائعة التي سقاها بدمه الطاهر، وما أحجم ولا تردد ولا استنكف، ودفع ضريبة الحرية والكرامة من دمه..

فكان ثائرا حرا من الأمجاد، حتى إذا أتواه بعده قالوا: مرَ، وهذا الأثر. لماذا لم تهدأ قليلا أيها الحر النبيل، وكان بوسعك أن تؤثر الصمت وتلزم بيتك، وقد أقبلت عليك الدنيا راغمة، فزهدت فيها عن تمكن ومقدرة وسعة؟ ولو أراد الدنيا لما صبر على المعاناة ومرارة التهميش في بلده، ولاستقر به المقام في بريطانيا إداريا ناجحا وأستاذا جامعيا محاضرا متألقا وبارعا في فنه وحيزت له الدنيا، فما اغتر، ولا ركن، ولا انكب عليها انكبابا ولا تهافت عليها، بل غادر بريطانيا عائدا إلى بلده، وهو في أوج العطاء وذروة الشَهرة قاصدا منفعة بلده وخدمة شعبه والبحث عن معنى للحياة، عاش كبيرا بعقله وفكره مهموما بقضية تحرير الوطن، وأنهى الله حياته في الدنيا ثائرا حرا أصيلا، وسقت دماؤه أرض هذه الثورة السلمية المستمرة.

 وفي بلده، أرادوه أن يقبع في مكان ثابت ولا يتحرك، هكذا هي أوطننا، قفص من حديد، لا تغادره إلى مناطق وشعب أخرى، لم ينالوا من طهره ونزاهته، ولم يتمكنوا من توريطه في أي صفقة مشبوهة مريبة، وما إن يرى اعوجاجا بيَنا يستقيل ويغادر شريفا متورعا متعففا زاهدا فيما يتهافت عليه الناس، تاركا المناصب الرفيعة ومُؤثرا الاستقامة وصدق القول والعمل. وثار مع الثائرين في 22 فبراير، وسار في موكب الأحرار في الجمعة التي تلتها، فقد أدرك، باكرا، وهو في بريطانيا، أن لا معنى لحياة إمرئ سلبي، يرتع في هذه الدنيا، والقوم يصطرعون من حوله، ووطنه يُنهب ويُنهش، وهو يتفرج. كان حريصا، في صمت، أن يكون له أثر يطبعه قدمه مع الركب الثائر، فكان له ما أراد، وختم الله له بالحسنى، ونرجو له أن يكون قد صدق الله فصدقه.

وحُق على الشرفاء أيها الشهيد الحي بفضائلك وسمتك ألا ينسوك، ولا ينسوا شهداء وضحايا الحراك من بعدك، ولا كوكبة الأفاضل الذين ضحوا لأنهم يبتغون العزة لأنفسهم ولمجتمعهم ولأمتهم. وكان الشهيد "حسن بن خدة" أول ضحية لعنف السلطة الأمنية في مواجهة حراك شعبي سلمي في جمعته الثانية، باغتهم وأفزعهم، كأنما وُلد الشعب من جديد، وُلد مع الاحتجاج والحراك، وأذهلهم بسلميته وصموده ونفسه الطويل. وراح شهيد السلمية والحرية ضحية ما كان يُدبر للحراك لتحريفه عن مساره، وما استطاعوا إلى ذلك سبيلا على الرغم من كل الاستفزازات والمكايد والكمائن، وأرادوا اغتيال السلمية بالغدر به فانتصرا السلمية وترسَخت بعد استشهاده، ودفع الضريبة غالية، ولا أجدر بالكرامة ممن تلفت نفسه في سبيل تحرير شعبه ورفع الأغلال عنه، ولا أغلى من ثمن الحرية.

قراءة 394 مرات آخر تعديل في الإثنين, 01 مارس 2021 08:06