السبت, 06 مارس 2021 11:17

في الجمعة 107...السلمية تحاصر السلطة مميز

كتب بواسطة : نصرالدين قاسم / كاتب وصحفي

إصرار السلطة على التدليس بقصد التدنيس، والاعتقالات والتجاوزات لقمع المسيرات ووقف الاحتجاجات، كشف عوراتها وفتح عليها جبهات جديدة ما لها عليها من سلطان، بدأت تدينها وتستنكر ممارساتها القمعية وتطالبها بالكف الفوري عنها.. لم يعد الأمر يتعلق هذه المرة بجهات يسهل اتهامها أو تخوينها أو وسمها بالعدائية والاستهداف كما حدث مع البرلمان الأوروبي، أو المنظمات الحقوقية غير الحكومية أو حتى المؤسسات الرسمية الحكومية الأمريكية وغيرها.

الإدانة هذه المرة أممية، من المفوضية السامية لحقوق الإنسان وهي إحدى وكالات منظمة الأمم المتحدة..المفوضية أعربت عن "قلقها الكبير من تدهور وضع حقوق الإنسان في الجزائر والقمع المستمر والمتزايد ضد أعضاء الحراك المؤيد للديمقراطية"، ودعت السلطات الجزائرية لوقف أعمال العنف ضد المتظاهرين السلميين فورا والكف عن الاعتقالات التعسفية، وطالبت الحكومة الجزائرية بـ"الإفراج الفوري وغير المشروط عن الموقوفين أو المسجونين تعسفيا لدعمهم المفترض للحراك والتخلي عن التهم الموجهة اليهم".

ودعت السلطات الجزائرية إلى فتح تحقيقات "سريعة وصارمة ومحايدة" حول التعذيب وسوء المعاملة في الاعتقال، وحضتها على إلغاء النصوص التي تستخدم لمتابعة أشخاص يعبرون عن رأيهم الحر ويمارسون حقهم في التجمع السلمي.دخول المفوضية الأممية على الخط أصاب السلطة في مقتل وظهر ذلك جليا في إحجام قوات الأمن عن ممارسة العنف المفرط والقمع ضد المتظاهرين والغلو في الاعتقالات في الجمعة السابعة بعد المائة..

السلطة وأذرعها السياسية والإعلامية التزمت الصمت تجاه هذه التحذيرات، في انتظار أن يجتهد مجتهد منهم فيجد من أين ينتقد المفوضية، غير أن المهمة تبدو صعبة إن لم تكن مستحيلة، فلا أحد يمكنه أن يزايد على المنظمة الأممية أو يتهمها بأنها تستهدف الجزائر أو أنها تحركها أياد أجنبية وأوساط لا تحب الخير للجزائر أو أي تهمة سخيفة من التهم الموزعة على الجزائريين، ولا أحد يمكن أن يشكك في نزاهة وشرف السيدة "ميشال باشلي" رئيسة المفوضية فلا هي فرنسية حاقدة ولا أمريكية متواطئة ولا صهيونية مندسة إنها شيلية حرة إمرأة مكافحة من عائلة مناضلة من أجل الحريات والحقوق قاومت الظلم ودفعت الثمن غاليا في زمن الجنرال "بينوشي" عُذب أبوها وقتل في غياهب سجون بينوشي، واعتقلت ووالدتها وعذبتا ثم نفيتا من البلاد..

"باشلي" أنموذج جميل لمقاومة الظلم والقمع والاستبداد  السيدة باشلي رئيسة الشيلي لفترتين، الرئيسة الوحيدة التي بكاها الشيليون وهي تغادر الرئاسة رافضة الاستجابة لدعوات التجديد لعهدة ثالثة ونظم لها الشيليون حفلا شعبيا ورسميا عظيما غير مسبوق لم يحظ به أي رئيس منتهية عهدته وهي تغادر مقر الرئاسة..

قلق المفوضية السامية ودعواتها لوقف الانتهاكات، من الثمار المباشرة للحراك السلمي الحضاري دون أن يطلبها أو يسعى إليها، لأن العالم يتابع ويلاحظ ولم يعد بمقدور أي نظام أن يخفي ممارساته أو يغطي على تجاوزاته في عالم اليوم المكشوف خاصة في دول قمعية عتيقة لم يعد بمقدور أنظمة القمع والاستبداد أن تخفي شيئا من ممارساتها غير الإنسانية وغير الديمقراطية، ولم يعد بمقدورها انتهاك حقوق شعوبها ومصادرة حرياتها في صمت دونما إدانة أو تنديد أو استنكار، ولا بوسعها أن تهنأ باضطهادها وتصفيتها لمعارضيها إلا بتواطئ فج مفضوح بالصمت من قوى دولية تسعى بطرق غير أخلاقية لضمان مصالحها وابتزاز محمياتها الديكتاتورية..

فالسلمية بفعالياتها الحضارية وسيلة ضغط لإحداث التغيير، بفرض أجوائه، وإرغام السلطة على التنازل واتخاذ قرارات تتوفر فيها صفات الجدية، والتفاوض الحقيقي مع الفعاليات التمثيلية والشخصيات الوطنية ذات الثقل التاريخي والمصداقية والقبول الشعبي بعيدا عن حوار الشكليات ومشاورات شاورهم ولا تأخذ برأيهم، ولقاءات ديكور التغطية لتزكية قرارات سابقة وترتيبات معدة سلفا في مخابر مغلقة..

"السلمية" ليست أداة تغيير تلتئم في هيئة حزبية أو تنظيم مدني، أو تيار معين يقترح كفاءات ورجال ويضع برنامجا سياسيا يقدم بدائل واقتراحات في مختلف المجالات، إنها هبة شعبية تجمع الجزائريين حول هدف واحد بناء دولة ديمقراطية تكفل الحريات والحقوق لكل الجزائريين في دولة هم يختارون من يمثلهم ومن يحكمهم من الكفاءات والبرامج بكل حرية ونزاهة، سلاحها الفعال في إحداث التغيير المنشود "طول النفس..."

قراءة 76 مرات