الجمعة, 02 أفريل 2021 21:36

الحراك يضغط لكن لا يصنع التحول السياسي مميز

كتب بواسطة :

صحيح أن حراكنا الشعبي بلا رأس، وهذا مكسب ثوري، لكنه ليس بلا عقل، والأصل أن عقله ينضج ويشتد عوده بالنقاش والنقد والتصويب والاستدراك، والظن بأن مجرد مرور الزمن يأتينا بالنضج العقلي دون ترويض العقل على التفكير المنضبط، فهذا وهم، وأكبر تحدَ نواجهه اليوم داخل الحراك، هو عقل الحراك نفسه، تقديرا واستشرافا واستثمارا للطاقة الثورية دون تبديد واستنزاف، وكذا القدرة على التوليد والتفاعل والتدبير.وتقدير الموقف العملي هو نتاج الاختيار بين متاحين، وإلا فليتخذ صاحب الموقف موقعه في دنيا الشعر لا في دنيا السياسة. وكما أن الأفكار الثورية لوحدها ليست ذات قيمة، فإن الثورة الشعبية من دون تصور ورؤية للتغيير قد تنتهي إلى غير ما يحلم به الثائرون.

وأملنا في عقول تنتصر على غرورها وعلى الأنانية في المكاسب والغايات، وتنهض لمسؤولية جماعية لحراك سلمي، وإلا فإن بعض المزايدين والشعبويين قد يُغرقون سفينة الثورة بحجة التمكين لها..ومُهمَ جدا الحفاظ على حضور "الطبقة الوسطى" في الحركة الشعبية التغييرية، فهي محور التحولات الكبرى في حياة المجتمعات، وهي وقود "الثورة العاقلة"، وتراجع تأثيرها في الحراك الثوري يُضعف جاذبيته وزخمه وامتداده، وعلينا أن نُميز بين الانفعالات الجماهيرية، وبين توجيه اللحظة التاريخية الثورية لما يمكن تحقيقه وترجمة زخم الشارع إلى قوة ضغط سياسي تدير الصراع بذكاء وعقل توليدي للأفكار.

والمطروح في التنسيق الميداني الحراكي ليس الطابع الهرمي القائم على "مركزية" القرار وطليعة قائدة، فالطبيعة الهرمية مغايرة لثورة قامت ضد بنى القمع والقهر، ورفضت الأحزاب، والمؤسسات المختلفة، التي فشلت في التعبير عنها أو تحقيق أدنى مطالب لها، أو حتى خوض معارك حقيقية ضد السلطة، وقد مالك الثورات الأخيرة إلى الشكل الشبَكي (الشبكية وليست الهرمية) ولم يكن هذا وليد الصدفة أو اللحظة، بل كان نتاج معاناة كبيرة. وأغلب الأجيال الجديدة التي كانت أحد الأعمدة الرئيسية للحراك السلمي ترفض بشدة الهرمية والتراتبية.

وثمة عزوف كبير عن إنشاء تنظيمات متماسكة للتعبير عن الأفراد والجماعات، فهناك فرصة للتنسيق والتفاهم وترتيب أوراق الحراك دون حاجة إلى بنية أو مؤسسة وسيطة، لكن إلى الآن لم يتحقق قدر من التنسيق "الشبكي" داخل الحراك، ولا يمكن الاعتماد على الشارع وتدفقه من دون حد أدنى من التنسيق الشبكي وإنضاج رؤية وتصور سياسي، فالطبقة التي تثور ليست هي الطبقة التي تُحدث التحول السياسي وتدير الصراع وتستثمر سياسيا في الطاقة الثورية، وهذا ما لم يدركه كثيرون داخل الحراك الشعبي.

وإذا كان ثمة توجس من التمثيل، وهذا مما ينبغي تفهمه، فلا يمكن التفرج على حالة الحراك العفوية بلا تنسيق وحسن إدارة للصراع السياسي مع السلطة الفعلية، ولا يلزم من هذا وجود "مركز" وهرم تنظيمي، كما يتوهم بعض الظانَين، فهذا تجاوزه الزمن الثوري الجديد، ولكن تقدم للعقلاء وأهل الرأي والتدبير، ممن يتعاملون مع حقائق الصراع والواقع بما يمكن فعله وتحقيقه ويخففون العبء على الميدانيين دفعا لأي استنزاف ويضعون الرؤية ويرسمون خطة السير، إذ لا يمكن، بأي حال من الأحوال، ترك الشارع يصنع الزخم والموقف والضغط والدفع والتغيير ويدير الصراع مع السلطة ويقرر يومه وغده ويتحمل العبء وحده، فهذا ممَا لا يُطاق ولا يمكن تحمله.  

قراءة 229 مرات آخر تعديل في الجمعة, 02 أفريل 2021 21:50