الأربعاء, 14 أفريل 2021 04:28

الحراك الشعبي في مواجهة مباشرة مع فرنسا الاستعمارية مميز

كتب بواسطة : عبدالله كمال / صحفي ومدون

في سنة 2001 صدر كتاب صادم جدًّا، ومحتوياته بالغة الخطورة. إنها مذكّرات الجنرال السفّاح بول أوساريس الذي كان يشتغل تحت قيادة "بيجار"، ولعل عنوان هذا الكتاب يكشف لك سبب خطورته: "الأجهزة الخاصة في الجزائر 1955-1957: شهادتي حول التعذيب".

جاءت هذه المذكرات لتحكي تفاصيل مرعبة عن التعذيب والقمع والتقتيل خارج إطار القانون الذي أشرف عليه مجرم الحرب بول أوساريس، ويحكي فيه تفاصيل تصفية كل من بن مهيدي وموريس أودان وعلي بومنجل، وآلاف المناضلين الآخرين الذين قالت فرنسا الرسمية حينها أنهم "انتحروا".

يدافع "بول أوساريس" في هذه المذكرات صراحة عن التعذيب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها في حق الجزائريين بدون أي خجل، ويدافع عن استخدام التعذيب الذي مارسته ضد الجزائريين في "فيلا سوزيني" الواقعة في منطقة الأبيار، أين استخدم هو ومساعدوه الكهرباء والضرب والإغراق والسلّم وباقي أساليب التعذيب الدموية، لتنتهي عمليات الاستنطاق بالقتل المباشر دون محاكمة.

* دفعت شهادة الجنرال السفّاح عديدا من الجهات الحقوقية الفرنسية إلى رفع دعاوى قضائية ضده. وبما أنه محمي بقانون العفو الشامل الصادر سنة 1968؛ فلم يُدن بأي قضايا تتعلق بالقتل أو التعذيب أو جرائم ضد الإنسانية، بل فقط بالتشهير، ولم تزد عقوبته عن غرامة مالية رمزية.

* لكن ماذا عن الجانب الجزائري؟ ماذا كانت ردّة فعله من خروج هذه المذكّرات الصادمة للعلن؟ تذكر الصحف السويسرية إن الجمعيات والمنظمات الجزائرية قد تلقّت اتصالات من طرف الحكومة الجزائرية لعدم رفع قضايا ضد أوساريس وتهدئة الموقف و"عدم تضخيم الموضوع"، وقالت الصحيفة السويسرية إن الجزائريين: "لا يريدون إحراج نظرائهم الفرنسيين". وبذلك تُهدر حقوق الشهداء والمجاهدين الذين لم يكتف هذا السفّاح بتعذيبهم وقتلهم، بل يتفاخر بذلك في كتابه، مع تغطية وتجاهل من الحكومة الجزائرية يصل حدّ التواطؤ.

* إنها مجرّد حلقة واحدة من حلقات ممتدة من العمالة والوصاية الفرنسية على النظام الجزائري، وفي كلّ مرة تتكشف تفصيلة جديدة من هول هذه الوصاية وفداحتها التي تصل إلى حدّ الوقاحة. آخرها ما نقلته صحيفة "ليبارتي" الجزائرية من أن السفير الفرنسي في الجزائر "حاول إقناع الأحزاب السياسية بالمشاركة في الانتخابات لقطع الطريق على الإسلاميين". لا توجد دولة في العالم تسمح لسفير دولة أجنبية التدخل في شأن داخلي شديد الحساسية، يمسّ السيادة مثل الانتخابات. هنا تبدو الفضيحة مزدوجة: فهي تمسّ السلطة التي لا تملك الجرأة والشرعية اللازمة لتضع هذا السفير الأجنبي عند حدّه وتجبره على عدم التدخل في شؤون دولة مستقلة، وتمسّ أيضًا هذه الأحزاب الوظيفية التي لا تملك استقلالية وسيادة تسمح لها بأن ترفض إملاءات السيّد الفرنسي وأوامره بالمشاركة في الانتخابات من عدمها

* وضع الحراك الشعبي يده على الجرح حين حمل شعارات معادية لفرنسا الرسمية وأسمعها كلمات قاسية تذكّرها بتاريخها الأسود الدموي في أرض الشهداء، ووجّه رسائل تلقّتها وسائل الإعلام الفرنسية بشكل واضح، ليس فقط من خلال رفع صور الشهداء والمجاهدين وترديد أناشيد الحركة الوطنية، بل حتى اللافتات التي طالبت بإنهاء الوصاية وتوقيف التدخلات السافرة من الفرنسيين التي تفوح منها رائحة النظرة الاستعمارية التي تحتقر الشعب الجزائري وتراه غير قادر على تحرير نفسه واسترداد استقلاله وسيادته. يكتشف الحراكيون يومًا بعد يوم حجم العمالة التي يغرق فيها النظام الحاكم، وأن أعداء الحرية ليسوا موجودين في دواليب الحكم في الجزائر العاصمة والمرادية وفقط، بل إن أخطرهم وأشدّهم فتكًا وامتلاكًا للتأثير وسلطة القرار في الداخل الجزائري، هم أولئك الموجودون في العاصمة باريس.

قراءة 300 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 14 أفريل 2021 04:40