الخميس, 03 جوان 2021 04:41

"لوبوان"...تمجيد العسكرة والارتباط المصيري بباريس مميز

كتب بواسطة :

غاب طويلا، ثم تحدث لصحيفة يمينية فرنسية "لوبوان"، فاقع لونها، بلسان العسكرة والارتباط المصيري بباريس..واليمين هو البيئة السياسية التي يستدرَ عواطفها ماكرون ويحاول استمالتها والتزلف لها لترجيح كفته في الانتخابات الرئاسية القادمة، فهم من أكثر الاتجاهات عنصرية وعدوانية وتحريضا واستعلاء استعماريا وحقدا..والمحاورون من بني جلدتنا انتصارا لـ"الاستقلالية"، و"منعا من تدخل الفرنسيين في الشؤون الداخلية"، فالارتباط المصيري قرار سيادي خالص لا شبهة للإملاء فيه!! وإذا أُثيرت ضجة أو زوبعة أو كان ثمة فشل ذريع ومصائب وويلات، فلا يُنسب إلى ساكت قول (وإن كان هو المقرر الفعلي)، ويتحمل وزره ومآله من يتحدث بلسانهم، ويرتد عليه صنيعهم.

"ماكرون" يحتاج لمنقذ من وضع قواته وجيشه في الساحل، خسرت فرنسا كثيرا، والأهم هو النفوذ، مصير ماكرون السياسي ربما أصبح مرتبطا بالوضع في مالي، أثر على شخصه ومساره كثيرا، وهدد بالانسحاب منها إذا سارت الأمور في الاتجاه نفسه.. قصة فرنسا مع عسكريي مستعمراتها القديمة أوثق من أي استعمار آخر، راهنت عليهم وحمتهم في الأوقات الحرجة والأزمنة العصيبة، لكنها في الفترة الأخيرة خسرت كثيرا من نفوذها لحساب منافسين شرسين: روسيا وتركيا، والنزعة الاستقلالية المحلية لبلدان إفريفية تتحدى إرادة المستعمر القديم، وأمريكا انتقل مركز ثقلها واهتمامها وأولوياتها إلى الشرق الأقصى: الصين، في تخفف تدريجي من أعباء المنطقة.

باريس ربما وجدت نفسها تغرق وحيدة في حربها على الساحل، إلا من بعض الدعم الرمزي الأوروبي، تملي على عساكر المنطقة ما يجب فعله، لكن ما عادت تتجكم في الزمام، كما كانت، فهي ترفض الحوار مع الجماعات المسلحة المتمردة، فبعد الانقلاب الجديد، حذر ماكرون مالي من أي اقتراب من "الإسلاميين الراديكاليين"، لكن يبدو أن الحوار مع التنظيمات الجهادية في منطقة الساحل صار حتميا الآن، بعض من كانت تراهن عليهم باريس الاستعمارية أصبحوا يتحدونها اليوم، ماكرون كاد أن يفقد صوابه.

في حروب اليوم المعقدة، نادرا ما يكون هناك رابح أو خاسر. كلما استمرت النزاعات المسلحة وازدادت حدتها، زاد فقدانها لشعبيتها، ويصبح تمويلها على حساب دافعي الضرائب مشكلة. وهذا هو أحد أسباب ندرة الحروب التقليدية داخل الدول، واعتمادها على القوة العسكرية أظهر حدودها. في هذا الخضم، يظهر "الملاذ" الجزائري، سلطة هشة معزولة شعبيا تحتاج لدعم وظهير وحام وغطاء، ماكرون رأى فيها "المنقذ" أو بلغة أدق "الوكيل" الذي قد يخفف عنه الأعباء العسكرية في منطقة الساحل وربما ينقذه من ورطته هناك، لغة التودد لماكرون لا تخطئها العين، تجاوزت الحدود الدبلوماسية والنفاق السياسي، إلى التماهي وربما "المصير الواحد".

حوار "لوبوان" يمجد العسكرة وفرنسا وكأنهما متلازمان، ويومئ إلى عبور للحدود وانتشال الغريق الاستعماري من مستنع الرمال المتحركة في مالي خاصة.. تعقيد الحرب ضد ما يسمى "الإرهاب"، والطبيعة المتغيرة للمفهوم وخطورته تجعله حاضرا في كل مكان في جميع السياسات وفي التفكير الإستراتيجي، وهذا هو السبب في أن القوتين الغربيتين الأكثر تورطا في حروبه على الجبهات الخارجية،أمريكا وفرنسا، تراجعان نهجهما وتميلان إلى الاعتماد على "الوكلاء" والقيادة من الخلف، وهو ما تطلع إليه باريس، اليوم، بعد ثماني سنوات من الاستنزاف وتداعياته وانعكاساته على الداخل..

يشعر الفرنسيون بضغط متزايد لا يطاق في منطقة الساحل. حربهم في هذه المنطقة مكلفة للغاية، ولا يمكن إدامتها لفترة أطول. تجري إعادة ضبط عملية "برخان" منذ عدة أشهر، وكل شيء يشير إلى أنه سيتم تخفيفه بسرعة. ومع ذلك، فإن الموت المفاجئ لإدريس ديبي، الحليف العسكري الكبير لفرنسا في المنطقة، قد يؤخر الموعد النهائي، لكنها اختارت التخفف تدريجيا بالاعتماد على الوكلاء، وجدت ملاذا في سلطة الجزائر، في انتظار تنصيب البرلمان وتمرير القرار وعبور الحدود..

قراءة 232 مرات آخر تعديل في الخميس, 03 جوان 2021 09:41