الإثنين, 07 جوان 2021 15:30

ليست إلا سلطة قهرية واحدة والبقية خدم وهوامش مميز

كتب بواسطة :

ليس ثمة عاقل يقول بإسقاط الدولة ولا أيَ من مؤسساتها، ومن طاش به عقله وقال بهذا فهذا لا يلزمه إلا هو، وإنما الحديث والصراع والتدافع السياسي يدور حول: سلطة مدنية منتخبة مستقلة ورفع الوصاية عن الحكم، هذا كل ما في الأمر، الذي انخرطوا في مسار السلطة الفعلية في الرئاسيات وما بعدها، زادوا أم نقصوا، هل تغير شيء؟ دعنا من هذا، هل يمكن توقع الأقل سوءا في ظل هيمنة وتحكم السلطة الفعلية في السياسات وإدارة شؤون الحكم والدولة، وهل عشنا أزمنة الانحطاط والظلمات إلا تحت تسلطهم؟

دعنا أيضا من هذه، نريد أن نفهم، مجرد فهم فقط، ما قيمة وتأثير البرلمان والأمر كله بيد جهة واحدة أو سلطة مطلقة، لا شريك لها، ومن ادَعى أن التغيير ممكن في البرلمان، فليس إلا مدلسا، فقد صُمم للتمرير لا للتعطيل، وواهم من يعتقد أن عندنا مؤسسات، حتى "مونتسكيو" في كتابه "روح الشرائع"، وفي الغرب يُعدَون هذا الكتاب من أسس فكرهم، عندما تحدث عن الفصل بين السلطات، بعد خمسين عاما من التجربة والخبرة، كان في ذهنه طغيان مؤسسة واحدة: هي الكهنوت، ولم يتغير شيء من كتابه الذي راجعه كثيرا وأطال النظر فيه، وقد قضى عشرين عاما في تأليفه، استبدلت الدولة القومية الحديثة التي صدَرها إلينا بنو قومه الكهنوت بـ"الثكنة"، فالغرب يتمتع بالديمقراطية لنفسه، لا يريدها لغيره.

ودعنا من كل هذا، أيضا، هل يمكن الحديث عن انتخابات حقيقية في ظل تغول إرادة القهر والتسلط؟ وما قيمتها وأثرها إن سُلبت منها (الانتخابات) روحها المتجسدة في حرية الاختيار من قبل المرشح والناخب، وهما ركنان أساسيان في نجاح تمثيل الانتخابات للشعب في المجتمعات الاستشارية أو الديمقراطية؟ ثم، هل العبرة بالانتخابات وإن كانت بلا روح، فقد طوَر الحكم المستبد أساليب عديدة للتلاعب بها والتحايل عليها، وإضفاء الشرعية المفقودة على حكمه المهترئ، ولهذا فليس ثمة إمكانية لتغيير مركز الثقل السياسي حتى وإن أغرقوا البلد بالانتخابات..

ومن قال بأن الانتخابات تكفي لتأسيس الديمقراطيات؟؟ كم مرت بنا من انتخابات وكم جرَت علينا من ويلات وكوارث، لأنها بلا روح ومنعدمة الشروط، كم من معتقل رأي وناشط حراكي، اليوم، في سجون السلطة التي تشرف على انتخابات البرلمان؟ تجاوزوا المائتين، لم يسلم من سجونهم أحد، فتحوا أبوابها مشرعة لنخبة المجتمع وأهل النخوة فيه، والبرلمان في مثل هذه الظروف والبيئة القهرية يعني القفز على الحقائق المرَة والاستسلام للأمر الواقع، وخدمة المتسلط لا غير، وما نراه منذ انقلاب التسعينيات ليس إلا خداعا بصريا وسرابا موهما، يعني مظاهر ديمقراطية صوريَة بلا مضمون حقيقي، وحيث الانتخابات غير نزيهة ولا حرّة (قيود كثيرة لمن يحق له الترشح). فالساحة السياسية مُصممة، سلطويا، للغلق وإحكام السيطرة، وهذا واقع ومُجرَب، ومن جرب المجرب فعقله خرب.

والأغلب أن السلطة الفعلية تستخدم الانتخابات تعبيرا عن القدرة على التحكم والسيطرة، وكذلك للسخرية من الفكرة نفسها، ففي كل انتخابات تعمل مخابر السلطة على إطلاق مرشحين "كاريكاتوريين" يصبحون موضوعا لتندر الجمهور، وهي طريقة أخرى لتأكيد أهميّة بقاء الدكتاتور. يتعامل المستبد مع "لعبة الديمقراطية" كما لو أنها لعبة فعلا، لتأمين بقائهه القسريّ على حساب بؤس الناس وفقرهم وانحطاط البلاد بأسرها. فالانتخابات على مقاسه مفصلة في مخابره لا تزيده إلا انغلاقا وتصلبا، وليس لأي سلطة من السلطات التي كتب عنه "مونتسكيو" أي قيمة أو أثر في إدارة الحكم إلا ما كان مطيَة أو استخداما مُبتذلا، كل ما هنالك سلطة واحدة متصلبة والبقية هوامش وقاعدة حكم، فالبرلمان وجوده كعدمه إلا ما كان للزينة يتزين بها الوجه القبيح للحكم أمام الرأي العام الداخلي والخارجي، أما حقيقة وحكما فليس إلا تابعا خانعا لسلطة قهرية صاحبة الأمر والنهي، فما قيمة الانتخابات والبرلمان إذن؟ تُزيَن سوء عمل الحكم وتُسوَق لإيهامه وتغطي على سرابه..

قراءة 252 مرات آخر تعديل في الإثنين, 07 جوان 2021 17:24