الجمعة, 25 جوان 2021 10:46

حدود الجزائر المُلتهبة...الأمن القومي المكشوف مميز

كتب بواسطة :

- خلصت الاستخبارات الأمريكية الأسبوع الماضي إلى أن الحكومة الأفغانية قد تنهار في أقرب وقت بعد ستة أشهر من اكتمال الانسحاب العسكري الأمريكي من البلاد، وقامت وكالات الاستخبارات الأمريكية بمراجعة تقديراتها الأكثر تفاؤلاً في السابق مع اجتياح طالبان لشمال أفغانستان الأسبوع الماضي، وسيطرت على عشرات المناطق والمدن الرئيسية المحيطة بها، وكثيرا ما استسلمت قوات الأمن الأفغانية نفسها دون قتال، تاركة عربات "الهمفي" وغيرها من المعدات التي قدمتها الولايات المتحدة للمتمردين.

- والوضع الأفغاني يشير إلى أن حركات التمرد (أو المقاومة) المسلحة التي تدافع عن أرضها وبنت ثقافتها وبيئتها المحلية في مواجهة قوات غازية أو وافدة وطارئة، أكثر قدرة على الصمود، ولا يمكن هزيمتها عسكرتها، وما يُقال عن قصة طالبان في أفغانستان يُقال أيضا عن الحركات المسلحة دفاعا عن أرضها في مالي، فالمقاتلون الأجانب هناك قلة وأكثر من يواجه القوات المحتلة الفرنسية ووكيلتها المالية الحكومية هم من أهل العشائر والقبائل المحلية ولم يأتوا من خارج البيئة والثقافة المحلية، وهذا ما أدركه بعض الحكم في مالي وفتحوا قنوات اتصال مع الجماعات المسيطرة بحثا عن صيغة للتهدئة وربما التسوية مستقبلا، وهو ما يرفضه الاحتلال العسكري الفرنسي، وكانت هذه إحدى نقاط الخلاف الرئيسية بين انقلابيي مالي وباريس..

لكن ما يهمنا هنا أن الأنظمة الهشة المتهالكة في المناطق "الرخوة" ما عادت تقوى على الصمود ولا التحكم في زمام الأمور، ومركز ثقل التمرد انتقل من العراق وسوريا إلى مالي ومنطقة الساحل، وهذه المنطقة من أكبر بؤر التوتر في الفترة الحالية، وحكومتها غير قادرة على بسط سيطرتها على كامل ترابها، ولهذا، فإنها ستتحول إلى "أفغان ثانية" وهي اليوم ساحة صراع مُعقد ومُمتدَ خليط بين المحلي والإقليمي والعالمي، والوضع المضطرب الهش هناك عامل ضغط كبير على الحدود الجزائرية الجنوبية وعمقها الإستراتيجي وأمنها القومي، ويُراد استدراجها إلى هذا المستنقع الآسن، والتورط، إن حصل، سيرتدَ عليها وتتضرر منه أكثر، ومثل هذه الصراعات (المالي والساحل) مستنزفة وتستغرق زمنا طويلا وباهظة الثمن، وهذا كله يُغرق المنطقة في ظلمات ما يسمى "مناطق الصراع الرخوة"، ولا يمكن التنبؤ بانعكاساتها وتبعاتها لا يمكن التنبؤ بها، هذا على الحدود الجنوبية.

- وفي الحدود الجنوبية الطويلة الممتدة مع ليبيا، فإن سيطرت الجنرال المتمرد خليفة حفتر على منطقة جنوب ليبيا كانت في فبراير 2019 بتنسيق مع بعض الموالين لحفتر من شيوخ القبائل وبعض الشخصيات من أعضاء البرلمان، وبعض الميليشيات المسيطرة على الجنوب، بالإضافة إلى بعض الجهات الأمنية الأخر، وآخر تحركات حفتر في الأيام الأخيرة إرساله قوة عسكرية ضخمة لجنوب ليبيا بحجة محاربة "الإرهاب"، وما زال يعتمد على الدعم الإماراتي، والغطاء الفرنسي، ناهيك عن تجارة المخدرات، وتهريب الوقود، بالإضافة إلى عصابات تهريب الهجرة غير الشرعية، وأغلب سكان الجنوب الليبي كانوا يعتقدون أن حفتر جاء بمشروع دولة لتخفيف معاناتهم وطرد المرتزقة والمجموعات المسلحة، لكن ما حدث هو العكس، والجنرال أشعل نار الفتنة بين القبائل وأدخلها في صراعات مستنزفة. واستطاع خليفة حفتر إعادة بسط نفوذه على المنطقة الجنوبية لتحقيق أهداف أخرى، وهي السماح بفتح خطوط جديدة لجلب المرتزقة، والتهريب، وقاعدة أوسع للموارد الاقتصادية لخليفة حفتر، وإعادة انتشار مرتزقة "فاغنر" الروس في المنطقة الجنوبية.

- وعلى الحدود الغربية مع المغرب، فالمعلومات المُتداولة في الأوساط المهتمة بالعلاقات بين المغرب والكيان الصهيوني وملف الصحراء الغربية تشير إلى أن الكيان الصهيوني يرغب في اعتراف مغربي بالقدس عاصمة لإسرائيل مقابل الصحراء، ولم تعترف إسرائيل بمغربية الصحراء حتى الآن، ولكنها تقدم دعما هاما للمغرب في ملف الصحراء على المستوى الدولي، وخاصة اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، وقد شارك وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، في مؤتمر منظمة "إيباك" (أكبر لوبي يهودي مؤيد للكيان الصهيوني في الولايات المتحدة) لحشد الدعم في وجه أي تراجع لإدارة الرئيس الأمريكي الجديد "جو بايدن" عما أقدمت عليه إدارة سلفه "ترامب" من الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء. وتتحدث تقارير أن "إسرائيل" تسعى مقابل اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء الحصول على اعتراف من طرف المغرب على أن القدس عاصمة لإسرائيل، ـ وقد كان المغرب يسعى مقابل استئناف علاقاته مع إسرائيل الحصول على الاعتراف الأمريكي وليس الإسرائيلي، وهذا لثقل وزن واشنطن في مجلس الأمن.

- ضعف السلطة وتصدع الحكم وانكشاف النظام وعقدة الشرعية التي تطارده كل هذه وغيره أضعف الموقف الجزائري، وأغرى المحاور والقوى الإقليمية والعالمية بالتأثير والدخول على خط صراعات المنطقة، وكما في حالات كثيرة في المشرق وإفريقيا، فإن الهشاشة والانكشاف يعززان خيارات التدخل ويوسعان دائرة التأثير، ويتحول البلد بهذا إلى ساحة لصراع المحاور وتقاسم النفوذ، وهو ما نراه اليوم في سوريا وليبيا واليمن ومالي والساحل وإفريقيا الوسطى وغيرها، فحسابات المحاور المتنافسة تتضارب، تشتدَ أحيانا وتتصالح في أحيان الأخرى، لكن المتضرر والخاسر الأكبر هو البلد الهش منزوع الإرادة وفاقد التأثير، فروسيا وتركيا وفرنسا وأمريكا والإمارات والصين، على تفاوت في حجم النفوذ والتأثير، كثير منهم اختار دعم طرف ما أو جهة نافذة، ولو مؤقتا، في مواجهة منافسيه، ولكل حساباته، حماية لمصالحه أو تعزيزا لنفوذه أو بسطا للسيطرة أو طمعا في غنائم أو تثبيت موطئ قدم وهكذا، فالنظام عندما يشتد على شعبه ويضيق الخناق على الداخل لمواجهة لعنة الشرعية التي تطارده وقمع حركة التغيير الشعبية، للتغطية على عجزه وانقسامه وهشاشته، إنما يُغري الخارج والقوى المؤثرة بمزيد تدخل دعما لأطرافه مقابل التمكين والمصالح والنفوذ.

قراءة 191 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 29 جوان 2021 15:13