الأربعاء, 11 أوت 2021 04:55

لهيب المعارك المقدسة...عدوَ الحياة حبيب الفناء مميز

كتب بواسطة :

أخبار ومشاهد الحرائق مروعة، نزلت الفاجعة علينا كالصاعقة: كيف ومتى وأين ولم؟ انطلقنا صباحا مفزوعين: لماذا في هذا الوقت وبهذه السرعة وفي هذه المنطقة الممتدة بين ولايتي تيزي وزو وبجاية، سلسلة جبلية ومناطق غابية على امتداد عشرات الكيلومترات، تزاحمت تساؤلات مُلحَة ولم نتخفف بعدَ من وطأة غياب الأكسيجين والرحلة الطويلة الشاقة المستنزفة للظفر بمكثفات الأكسيجين، فلم هذا الانتقال سريعا من تغييب الأكسيجين إلى سياسة الأرض المحروقة، لكنها المعارك حامية الوطيس بين أجنحة الحكم لا تكاد تهدأ، وتتصدر المشهد وحاضرة بقوة في الوعي والعقل الجمعي، والصراع اشتد والخناق يضيق، وهذا الشعب المسحوق المفجوع هو وقود هذه الحروب العبثية المدمرة، يدفع ثمن التطاحن غير مبالين بأي واد سحيق هلك، ومنطقة القبائل في قلب الصراع، فهي ساحة استقطاب، غالبا، لتصفية الحساب وإشعال الوضع والانتقام الأعمى..

اختار القائمون على جمعية "جزائر تضامن" وبعض المتطوعين زيارة أكثر من بؤر حرائق في وقت واحد، فاتجهت مجموعة نحو بني دوالة وما جاورها، ومعها شاحنة محملة بالمياه المعدنية لتوزيعها على السكان المتضررين والقادمين للمساعدة والتضامن والتكافل، وقصدت المجموعة الأخرى بلدات واسيف وبني يني والأربعاء ناث إيراثن..وما رأيته ما رأيته اليوم وعاينته من قرية بني يني إلى بلدة الأربعاء ناثيراثن مرورا بواسيف وواضية وعشرات من المداشر والقرى في أعلي ولاية تيزي وزو، أهوال تفوق الوصف...

غابات على امتداد الحزام الرابط بين تيزي وبجاية التهمتها الحرائق، وأشجار مثمرة تحولت إلى أكوام من رماد وبيوت تحترق وإجلاء للسكان، وعائلات تبكي قراها ومسقط رأسها وأشجارها وأرضها وديارها...من مرتفعات واسيف المعزولة والنيران المحيطة بها من كل جانب إلى بني يني، لا أثر للحياة، والهواء يخنق الأنفاس من الدخان والرماد، يا للهول في سويعات التهمت النيران كل هذه المناطق الغابية، وهي تتقدم وتنتقل بسرعة، كأنها تقفز قفزا، وتقترب من القرى والمداشر واقتحمت بيوت ومنازل وبلعت بساتين والتهمت أشجار الزيتون والبلوك وثمارا أخرى..

في الطريق التقينا ببعض شاحنات الحماية المدنية لإطفاء الحرائق، لكن ما عساها تفعل والإمكانات محدودة والكارثة لا قبل لهم بها، خزانات المياه من لولايات المجاورة تدفقت إلى المناطق المنكوبة، ولجان الأحياء والمسعفون والمتطوعون والمتبرعون بالمؤونة والمياه تقاطروا تباعا، في ملحمة تضامنية شعبية رائعة..ولم تحلق في سماء المنطقة الممتدة، ليوم كامل، أي طائرة هيلوكبتر أو طائرة إخماد النيران، وكأن السكان تركوا لمصيرهم إلا من بعض حالات الإنقاذ والمساعدات المحدودة.

في أول دخولنا إلى بلدة بني يني، تفاجأنا بحريق يلتهم بيتا وقد حول بناية قريبة منه إلى ركام وأنقاض، ومن بقي من السكان قلة وأكثرهم غادروا، في الصباح الباكر، قريتهم وبيوتهم إلى مكان آمن، أعنا صاحب البيت وجيرانه في إطفاء النيران، لكن الإمكانات محدودة والماء قليل، حتى أسعفونا بشاحنة محملة بخزان مياه مكنتنا من إخماد الحريق لكن بعدما أتى على أكثر البيت، العجوز تسأل الله اللطف في حيرة من أمرها، وأهل البيت هائمون على وجوههم من هول الصدمة والفاجعة...

اقتربنا أكثر من وسط البلدة لا أثر لأي حياة، البيوت مهجورة، ولا تكاد ترى إلا الرماد على جانبي البلدة.خرجنا من بني يني وقد أبلغنا أحد السكان من القلة التي لم تغادر أن وفيات القرية ثلاثة حتى الظهيرة، غادرناها إلى بلدة "الأربعاء نايت إيراثن"، مررنا بمفرزة للجيش يساعدون على تسهيل حركة السيارات، وقد أغلقوا الطريق نحو تيزي وزو كنا قد مررنا عليه في الصباح، فالطريق غير سالك إذ النيران حطت رحالها على جانبيه ويتعذر السير، وكانت الحرائق تقترب من مفترق الطرق هذا.حرائق هائلة أتت على الأخضر واليابس، والنيران التي طاردتنا وحاصرتنا في مرتفعات بني يني نجونا منها بأعجوبة، وكانت أسرع مما توقعنا وتسمع التهام الحريق كأنه رعد مُزمجر يصدر صوتا مرعبا، كأنما النيران تلتهم الأشجار بشراهة، أقبل إلينا أحد السكان مسرعا: هيا غادروا المكان حالا، لهيب النيران يقترب بسرعة سيصل إليكم"، كنا راجلين وتركنا السيارة بعيدا عن منطقة النيران، ركضنا هلعين واللهيب من ورائنا يجتاح المنطقة اجتياحا لا يبقي ولا يذر ...

ما رأيناه في طريق إلى بلدية "الأربعاء نايث إيراثن" أفظع من كل ما رأيناه من قبل، الدخان الكثيف، طبقا فوق طبق، حجب الرؤية وخنق الأنفاس وأعاق حركة السير..ولن أنسى ما حييت ذلك اللهيب الحارق يتصاعد ويجتاح المرتفعات بسرعة، والنيران من حوله، هنا صاح أحد السكان: "وداعا منطقة القبائل، أحرقوك وحوَلوك إلى رماد..هذا حريق لم أر مثله في حياتي..حسبنا الله ونعم الوكيل"..

وصلنا إلى أعالي البلدة بصعوبة، كل سكانها، تقريبا، خارج البيوت يستعدون لحرائق تقترب من بيوتهم، بعض السكنات التهمت النيران كل الطوابق وينبعث منها دخان أسود كثيف..يا للهول قبل سويعات كانت البيوت تدب فيها الحياة، ومعروف عن المنطقة تشبث أهلها بأرضهم وديارهم وإن باعدت بينهم المسافات والظروف والترحال، وإذا بها تتحول إلى ركام من رماد..وجوه واجمة، ملامح باهتة، عيون شاردة تبحث عن طيف يسعفها، ولحظات عالقة ببيوت وقرى تناديها الذكرى من أعماق اللهيب الحارق..

بيوت وقرى وبلدات ومركبات وسكان ومواشي وزرع وأشجار وبساتين وحزام غابي ممتد من منطقة "بوغني" بتبزي وزو إلى "أدكار" بولاية بجاية اجتاحته النيران وحولته إلى أكوام من رماد، الجميع هناك في ذهول مصدومين مفجوعين، أعياهم البحث عن الأكسيجين لفترة طويلة ولم تزل رحلة البحث تسلخ أيامهم، وكانت قمة البؤس أول أمس، في الظهيرة، عندما داهمت قراهم الجميلة النيران، وأخرجتهم من ديارهم، وطمست معالم حياتهم، وفي لحظة خاطفة وجدوا أنفسهم بلا مأوى وهم الذي احتضنتهم الجبال والغابات لأزمنة عديدة وآنست بهم في بساطة عيش وقوة عزيمة.

استخدموا سياسة الأرض المحروقة لحسم صراعاتهم ومعاركهم، وتصريح مدير الغابات لولاية تيزي وزو عن سبب الحرائق يهمس ببعض الحقيقة، نشروا الموت في كل مكان في المدن والجبال والأرياف والقرى والمداشر، حتى الزرع والضرع والنبات والثمار والبيوت والمواشي لم تسلم من أحقادهم وانتقامهم ووقود معاركهم، لحسم حروب الانقضاض على الحكم، وشعارهم الدموي الممتد في الزمان والمكان: الحكم إلى الأبد أو نحرق البلد؟؟ 

قراءة 169 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 11 أوت 2021 06:33