طباعة هذه الصفحة
السبت, 14 أوت 2021 12:15

من أعالي جبال تيزي وزو المنكوبة... الفطرة والقناعة والكرم مميز

كتب بواسطة :

كانت جمعة أمس ملحمة تضامنية تاريخية، قوافل تتقاطر على منطقة القبائل منذ ساعات الفجر الأولى، وكثير من القرى والمداشر التي زرناها وجدنا مستودعات المؤونة ملأى، ومن ورعهم وقناعتهم أن رفضوا أخذ أكثر من حاجة بلداتهم، فليس على المرء في قناعته إن هي صحت أذى ولا نصب، كما أنشد أبو العتاهية..

حمولة الأدوية والمواد الصيدلانية فرغها فريق التطوع لجمعية "جزائر تضامن" في مستودع لفرع الجميعة وسط مدينة تيزي وزو، وقد أرسلتها اللجنة الطبية للجمعية للأطباء ليتولوا توزيعها، ثم أكملنا سيرنا إلى أعالي جبال تيزي وزو، حيث المداشر المعزولة والقرى المعلقة على قمم الجبال، ووصلنا إلى مداشر وقرى على ارتفاع 1200م، وما شدَ انتباهنا أن كثيرا من المستودعات التي نتفقدها إما قريبة من المسجد على بعد أمتار، كما في قرية "آيث سعادة" بلدية "إيعاطافن"، أو في مكان ملحق بالمسجد كما في بلدية "ميشلي" وقرية "جمعة" (وربما أخطأت في كتابتها لأني لم أتذكر أسماء كثير منها) دائرة عين الحمام..

وما لفت أنظار فريق الجمعية واسترعى اهتمامهم وأثار إعجابهم، ورع المداشر والقرى التي زرناها للتفقد والتوزيع، فما إن يستقبلك بحفاوة وترحاب كبير، حتى يشير عليك بالتريث، ويدخلك إلى المستودع ويريك ما جمعوه ليوزعوه على أهل القرية المتضررين والمداشر القريبة، لترى عيانا ما ينقصهم ولا يطلب منك إلا ما يفتقده ويحتاجه، وأما ما عنده فيرفض تزويده بها، وينصحك بتوزيعها على المداشر القريبة منهم، فلعلهم بأمس الحاجة إليها، ولهذا كانت مهمة التوزيع شاقة ومتعبة، أمس، واستغرقت ساعات طوال في أعالي الجبال..

كانت وجهتنا الأولى بعد مدينة تيزي وزو قرية "آيث سعادة"، قرية صغيرة جميلة في أعالي الجبال، واتجهنا إلى منسق حملة التضامن هناك، وكان مستودعهم على بعد أمتار من المسجد، فأخذوا ما يحتاجون إليه وغمرتهم الفرحة برؤيتنا وألح علينا بالضيافة، واعتذرنا له لضيق الوقت، وغادرناهم والدعوات تنهال علينا، وبعدها اتجهنا إلى قرية "جمعة"، وفي طريقنا إليها مررنا بمستودع تعرف الدليل الذي كان يرافقنا من المنطقة بأحد أصدقائه، فأشار علينا بالتوقف، قصدناهم رحبوا بنا كثيرا، وسألناهم عن حاجتهم فرفضوا استلام أي من المواد الضرورية، فالمستودع فيه ما يكفي لإسعاف عائلات قريتهم المتضررة، وتفقدنا المستودع فوجدنا نقصا في حليب الأطفال والحفاظات، فزودناهم بها، وامتنعوا عن أخذ أي معونة أخرى..

وكانت محطتنا الموالية قرية "جمعة"، استقبلتنا لجنة الحي في المسجد، وآثار ضرر الحرائق بادية في صومعته، قال لنا أحد الناشطين هناك: "كادت الحرائق أن تلتهم المسجد، لكن من لطف الله أننا تمكنا من إخماده، وسبحان الله أخمدنا الحريق بوسائل بدائية، هذا من رحمة الله بنا"، المشرف على حملة التوزيع هناك أخذنا إلى المستودع في مكان ملحق بمسجد القرية: "تفضلوا معنا، ها هو المستودع، لا نريد إلا ما نفتقده، والحمد لله الخير لا ينقطع"، زودناهم بما يحتاجوه..

ثم قصدنا بلدية "مشلي"، المحطة الموالية، كان الترحاب كبيرا أمام مسجد البلدة، لجنة الحي نشطة ومنظمة، مستودع كبير تابع للمسجد، قسموا المعونات وأحصوها، ووجدنا سهولة في معرفة ما ينقصهم، فزودنا بما يحتاجونه، والكل فرح بنا، استرحنا عندهم بعض الوقت، تنافسوا لخدمتنا، ولم يفارقوننا إلا عند مغادرتنا..

في بلدة"بني يني"، المحطة الموالية، وجدنا الوضع هناك غاية في التنظيم والترتيب، ومستودعهم داخل المتوسطة، وهي إحدى نقاط التوزيع بالمنطقة، رحبوا بنا كثيرا، أخذوا ما يحتاجونه وكانوا يتجهزون لجولة تفقد وتوزيع للمداشر المعزولة، عرضوا علينا مرافقتهم، ولكنا كنا متعبين والوقت ضيق، اعتذرنا لهم، وقفلنا راجعين إلى مدينة تيزي وزو لإفراغ ما تبقى من مؤونة في مستودع فرع الجمعية بوسط المدينة"..

في أثناء رحلتنا، تهاطلت علينا المكالمات من الأقرباء، حجم الدعاية التشويهية كان رهيبا: "يُقال إنهم أمسكوا بملتحين في بعض المداشر..رجاء لا تتأخروا".."قطاع الطرق سيطروا على بعض الطرقات في أعالي الجبال، ارجعوا ولا تغامروا"، هذه بعض صيحات الاتصالات التي لم تنقطع من أقرباء بعض أعضاء فريق التطوع، ونحن في قلب المنطقة وسفوح جبالها وأعاليها لم نر شيئا مما حذرنا منه أو نقلوه عن حسابات افتراضية أو كرروه من دعاية مغرضة، الذي رأيناه لا علاقة له بسيل من الإشاعات والادعاءات وحملات التشويه والتخويف لكسر الهبة الشعبية وإحياء ما اندرس وأُخمد من نيران الفتن، المنطقة مستهدفة بحرب نفسية دعائية ضخمة، ثمة تهويل لانحراف وتشوه أخلاقي ونفسي وضحايا العنصرية والعصبية وهم قلة في حزام ممتد من المداشر والقرى على امتداد عشرات الكيلومترات، لم نجد إلا البساطة والكرم وحسن الضيافة والبشاشة، وهذا الغالب على أهل وسكان المنطقة، ولهذا خابت وفشلت المخططات التقسيمية التشويهية التضليلية وانتصرت الفطرة والطيبة والكرم..

قراءة 326 مرات آخر تعديل في السبت, 14 أوت 2021 14:28