الإثنين, 23 أوت 2021 20:01

التجربة التركية بقيادة أردوغان...دروس للزمن الآتي مميز

كتب بواسطة :

- شجعت تقاليد الانتخابات الحرة والنزيهة والرأسمالية والمؤسسات الديمقراطية في تركيا الأحزاب الإسلامية على الالتزام بالقواعد. كما أدى انغلاق العلمانية الراديكالية في تركيا، التي فرضها الجيش، إلى ترويض تصلب السياسيين الإسلاميين الذي أوقعهم في المشاكل.

- نجاح الحزب لم يكن له علاقة بالعوامل الأيديولوجية. كان الناخبون الأتراك مهتمين في المقام الأول بالقضايا المعاشية. في يونيو 2011، صوتوا مرة أخرى لصالح الاستقرار السياسي وكافؤوا رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان على الازدهار المتزايد في البلاد وتحسين الخدمات الاجتماعية، ولا سيَما في مجال الرعاية الصحية والإسكان. - حقق حزب العدالة والتنمية انتصارا تاريخيا في 2011. كانت هذه هي المرة الثانية، فقط، منذ بداية الديمقراطية التعددية في تركيا في عام 1946 التي يفوز فيها حزب سياسي بثلاث انتخابات متتالية.

- تركيا جديرة بالملاحظة، لأن أحزابها الإسلامية عادت إلى الظهور، بعد كل إغلاق، أكثر اعتدالا وواقعية. اتخذ الإسلاميون في تركيا مسارا مختلفا عن أمثالهم في البلاد العربية، فعلى الرغم من حظرهم بشكل متكرر وطردهم من السلطة، إلا أن السياسيين المحافظين نبذوا العنف واعتنقوا الديمقراطية واندمجوا، مبكرا، مع الاتجاه السائد.

- رحلة حزب العدالة والتنمية مما يُسمَى "الإسلام السياسي" إلى الديمقراطية المحافظة ليست نتيجة النفعية السياسية أو احترام الخطوط الحمراء للعلمانية التركية، وفقط، ذلك أن تطور الرأسمالية في تركيا بقيادة "تورغوت أوزال" أدَى، في ثمانينيات القرن الماضي، إلى ظهور برجوازية مسلمة من رواد الأعمال في قلب منطقة الأناضول المحافظة. كان للبرجوازية الجديدة مصلحة أكبر في السياسة، وأصبحت أكثر انخراطا، كانت أكثر اهتماما بمضاعفة الأرباح، والوصول إلى أسواق العملات الدولية، وضمان الاستقرار السياسي أكثر من اهتمامهم بأي أمر آخر. تمتلك تركيا الآن الآلاف من هذه الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم الموجهة للتصدير، والتي يشار إليها غالبا باسم "نمور الأناضول". معظمهم يدعمون حزب العدالة والتنمية.

- ظلت الجماهير الريفية والمتدينة في الأناضول غير متأثرة، إلى حد كبير، بإعادة الهندسة الثقافية في أنقرة، على يد الكمالية العلمانية، على عكس الجيش والبيروقراطية والبرجوازية الحضرية، التي تبنت أو تكيفت مع التغريب السطحي للكمالية.

- عارض المحافظون الدينيون والأكراد بشكل نشط مهمة الكمالية لإنشاء دولة قومية تركية غربية وعلمانية ومتجانسة. بين عامي 1923 و1938، أطلقت الحكومة الكمالية الجديدة العنان لجيشها لقمع سلسلة من التمرد الكردي والإسلامي.

- دخلت السياسة التركية حقبة جديدة بعد عام 1946. عندما قسمت الحرب الباردة العالم، أدى قرار تركيا بالتوجه نحو الغرب والانضمام إلى منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى تعزيز الانتقال إلى الديمقراطية التعددية وإعادة تنظيم القوى السياسية بين اليسار واليمين. وجد السخط الكردي مكانه في اليسار الاشتراكي، بينما كان ما يسمى "الإسلام السياسي" جزءًا من اليمين المعادي للشيوعية.

- خلف الكواليس، ظل الجيش قوة مهيمنة، وتدخل في أعوام 1960 و1971 و1980 لاستعادة سيطرة النظام الكمالي ضد كل من الأحزاب اليسارية والمحافظة. - ولكن في عام 1991، بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الشيوعية، عادت مشاكل الهوية التركية إلى الظهور بسرعة. لم يعد اليمين واليسار قادرين على استيعاب مشاعر المعارضة الكردية والإسلامية. كانت تركيا مستقطبة على محورين: الهوية التركية مقابل الهوية الكردية من جهة، والهوية الإسلامية مقابل الهوية العلمانية من جهة أخرى. وكانت النتيجة "العقد الضائع" في التسعينيات، عقد من الحرب مع الانفصاليين الأكراد، والاستقطاب حول دور القيم الدينية، والاضطراب الاقتصادي، والحكومات الائتلافية غير المستقرة.

- في عام 1994، صدم حزب الرفاه (التجسيد الثالث للحزب الموالي للإسلاميين) المؤسسة الكمالية بفوزه في الانتخابات المحلية على الصعيد الوطني، واكتساح أكبر مدينتين في تركيا، اسطنبول وأنقرة. وترأس الحزب نجم الدين أربكان. بعد سبعة عقود، انحسر المد العلماني في تركيا.

- وفي العام 1995، فاز حزب الرفاه بأكبر كتلة في الانتخابات البرلمانية، مما جعل ائتلافًا بقيادة الإسلاميين مسؤولاً عن الدولة بأكملها. لم يدم انتصار حزب الرفاه طويلا، إذ تدخل الجيش وانقلب على حكومة أربكان خوفًا من أن تتبنى الحكومة الجديدة خطا إسلاميا صريحا والتخلي عن تحالفات تركيا الغربية. ومع ذلك، التزم حزب الرفاه في الواقع بالممارسة الديمقراطية السلمية، وحذرت الصحافة العلمانية من اندلاع ثورة إسلامية وشيكة.

- في 28 فبراير 1997، أجبر الجيش -بدعم واسع من المجتمع المدني ووسائل الإعلام العلمانية- أربكان وحزبه على الخروج من السلطة. كان للانقلاب الأبيض عواقب وخيمة غير مقصودة. وقد حفز ذلك البحث الجاد عن الذات بين الإسلاميين في تركيا، مما أدى في النهاية إلى إحداث شرخ بين الأجيال والأيديولوجية داخل الحركة.

- اعترف القادة الشباب البراغماتيون لحزب الرفاه، ولا سيَما رجب طيب أردوغان وعبد الله غول، بالخطوط الحمراء للعلمانية التركية. بعد المشاركة في السياسة الديمقراطية لأكثر من ثلاثة عقود، كان الإسلاميون في تركيا قد عدَلوا بالفعل من وجهات نظرهم لكسب عدد أكبر من المتابعين في الانتخابات. بحلول أواخر التسعينيات، كان ما يُسمى "الإسلام السياسي" جاهزًا للاندماج الكامل في السياسة القائمة.

- في عام 2001، أنشأ أردوغان حزب العدالة والتنمية، التجسيد الخامس والأخير للحزب المؤيد للإسلاميين، على أنقاض حزبي الرفاه والفضيلة المحظورين. لقد صاغ مصطلح الديمقراطية المحافظة لعرض توجهه السياسي، وأدرك أن المرونة السياسية ستعزز قاعدة سلطة حزب العدالة والتنمية.

- وضع أردوغان الإصلاحات الديمقراطية على رأس جدول أعماله، ساعيا إلى الامتثال لإرشادات عضوية الاتحاد الأوروبي. أكسبته هذه الخطوة دعم مجتمع الأعمال التركي، والمثقفين الليبراليين، والطبقة الوسطى البراغماتية، كما أكسبته الشرعية السياسية في نظر الجيش، واقترب حزب العدالة والتنمية أيضًا من الطبقة الفقيرة بإعطاء الأولوية للخدمات الاجتماعية. لقد آتت إستراتيجية أردوغان ثمارها، ففي نوفمبر 2002، فاز الحزب بأكبر كتلة من المقاعد في الانتخابات البرلمانية.

- بين عامي 2002 و2006، أقرت حكومة حزب العدالة والتنمية سلسلة من الإصلاحات لمواءمة النظام القضائي التركي والعلاقات المدنية العسكرية وممارسات حقوق الإنسان، مع المعايير الأوروبية. واعتمادا على شبكته الشعبية الهائلة ومع وجود المؤسسات الحكومية الآن في يديه، سهَل هذا على الحزب دعم الرعاية الصحية والإسكان، وتحسين المستوى المعيشي، وزيادة المنح للطلاب، وتحسين البنية التحتية للمناطق الحضرية الفقيرة، وجعل حقوق الأقليات للأكراد وغير المسلمين أولوية.

- لم تقتصر الإصلاحات على السياسة، بل تمكن الحزب من إعادة الاقتصاد التركي إلى مساره بعد الأزمة الاقتصادية عام 2001 بإتباع إرشادات صندوق النقد الدولي. فبين عامي 2002 و2011، نما الاقتصاد التركي بمعدل 7.5 بالمائة سنويا. وأدى انخفاض معدلات التضخم وأسعار الفائدة إلى زيادة كبيرة في الاستهلاك المحلي. وبدأ الاقتصاد التركي في جذب استثمارات أجنبية مباشرة غير مسبوقة، بفضل برنامج الخصخصة المنضبط. وارتفع متوسط دخل الفرد من 2800 دولار أمريكي في عام 2001 إلى حوالي 10000 دولار أمريكي في عام 2011، متجاوزًا الدخل السنوي لبعض أعضاء الاتحاد الأوروبي الجدد.

- ومع ذلك، حتى عندما تبنى حزب العدالة والتنمية نظامًا أكثر ليبرالية، ازداد الشك لدى شرائح الكمالية في المجتمع التركي بأن لديه أجندة خفية. كانوا يخشون من أن حزب العدالة والتنمية كان يستغل عملية العضوية في الاتحاد الأوروبي لتقليص الدور السياسي للجيش والتخلص التدريجي من الإرث الكمالي. لقد رفضوا، على سبيل المثال، إجراءات حزب العدالة والتنمية لزيادة نسبة المدنيين إلى الضباط العسكريين في مجلس الأمن القومي، وانتخاب مدني لرئاسة مجلس الأمن القومي، وإزالة الممثلين العسكريين من مجالس إدارة مجلس التعليم العالي والإذاعة والمجلس الأعلى للتلفزيون، ومنح الحقوق الإذاعية والثقافية للأكراد، وشاغبوا وتحدوه وتحركوا عكس اتجاهه، وكان انقلاب بعض كبار الضباط في 2016 تتويجا لحالة الغضب والنقمة من سياسات أردوغان والحزب الحاكم بشأن تمدين الحكم وتحييد العسكر عن التدخل في القرار.

- فضل قادة حزب العدالة والتنمية تعزيز الإصلاح من خلال بناء إجماع وطني بدلاً من تحدي المؤسسة العلمانية وجها لوجه، لكنَ العلمانيين ظلوا حذرين. وتعمقت الانقسامات الداخلية في تركيا بين عامي 2006 و2008. لطالما أراد حزب العدالة والتنمية رفع الحظر عن ارتداد الحجاب في الجامعات وإنهاء التمييز ضد خريجي المدارس الثانوية الإسلامية (مثل المعايير الخاصة لامتحانات الالتحاق بالجامعة). حصل حزب العدالة والتنمية على دعم شعبي قوي لكلتا الخطوتين.

- بلغت التوترات بين حزب العدالة والتنمية والجيش ذروتها بعد أن أعلن أردوغان أنه سيرشح وزير الخارجية عبد الله جول لرئاسة الجمهورية. الرئاسة هي منصب مرموق وإن كان استعراضيا، لكنها أيضا آخر معقل للعلمانية في نظر الجيش والمعارضة.

- في 27 أبريل 2007، شن الجنرالات أول "انقلاب إلكتروني" في البلاد. لقد نشروا تحذيرا على موقع الجيش على الإنترنت مفاده أنه "إذا لزم الأمر، لن تتردد القوات المسلحة التركية في توضيح موقفها وموقفها بشكل واضح بصفتها المدافعين المطلقين عن العلمانية". بالنظر إلى تاريخ تركيا في التدخلات العسكرية، كانت المذكرة بمثابة تهديد مستتر إلى حد ما بأن انقلابا تقليديا قد يكون وشيكا. وفي إشارة إلى تنامي الثقة بالنفس لدى حزب العدالة والتنمية، لم يتراجع أردوغان. وبدلا من ذلك قرر تحدي الجنرالات بالدعوة إلى انتخابات مبكرة. حقق حزب العدالة والتنمية فوزا ساحقا في منتصف عام 2007 بحوالي 47 في المائة من الأصوات مقارنة بـ 34 في المائة في عام 2002 عندما وصل إلى السلطة. كانت الانتخابات توبيخا عاما للجنرالات.

- توَج حزب العدالة والتنمية انتصاره بانتخاب البرلمان "عبد الله جول" لرئاسة الجمهورية، لكن ظلَ الجيش لا يزال يلوح في الأفق. وفي عام 2008، حاول المدعي العام التركي إغلاق حزب العدالة والتنمية على أساس أن ينفذ خطة إسلامية لتخريب الجمهورية العلمانية. نجا الحزب من محاولة "الانقلاب الدستوري" هذه، وصوتت المحكمة ضد الإغلاق بفارق صوت واحد. - بين عامي 2008 و2011، عزز حزب العدالة والتنمية مكاسبه، فعلى الرغم من الاضطرابات السياسية، نجت تركيا من الأزمة المالية العالمية لعام 2008 بنجاح ملحوظ. واصل الاقتصاد معدلات نمو في عام 2009، بعد فترة ركود قصيرة. بحلول عام 2012، كان معدل البطالة وعجز الميزانية في تركيا عند مستويات منخفضة قياسية.

- في جوان 2011، حقق حزب العدالة والتنمية فوزه الانتخابي الثالث على التوالي بحوالي 50 بالمائة من الأصوات، كما وصلت المكانة العالمية للبلاد إلى آفاق جديدة. عندما هزت الانتفاضات المنطقة، استشهد الإصلاحيون في مصر والأردن وليبيا والمغرب وسوريا وتونس بتركيا وحزب العدالة والتنمية باعتباره أنموذجا مُلهما.

- كما عزز حزب العدالة والتنمية سيطرته على الجيش، وهي سابقة فريدة منذ إنشاء الدولة الحديثة. في 29 جويلية 2011، استقال رئيس أركان الجيش بعد خلاف مع أردوغان حول ترقيات الموظفين. في اليوم نفسه، طلب قادة الجيش والبحرية والقوات الجوية التقاعد المبكر. بحلول أوائل عام 2012، كان نصف جميع الأدميرالات الأتراك وواحد من كل عشرة جنرالات في الخدمة الفعلية في السجن بتهمة التآمر ضد الحكومة. لقد كان تحولا أنموذجيا لدولة شهدت ثلاثة انقلابات عسكرية وتدخلات عسكرية مستمرة لمدة قرن تقريبًا.

- على الرغم من أن قادة حزب العدالة والتنمية صرحوا بأن العضوية في الاتحاد الأوروبي هي أولويتهم الإستراتيجية، ومع ذلك، أظهر حزب العدالة والتنمية ثقة متزايدة بالنفس من خلال توسيع نطاق العلاقات التركية والدبلوماسية خارج الغرب. أدى إحجام الاتحاد الأوروبي عن احتضان تركيا رسميا والأزمة الاقتصادية الأوروبية أيضا إلى أن ينظر حزب العدالة والتنمية إلى الشرق وإفريقيا وروسيا وآسيا الوسطى باعتبارها مناطق يمكن لتركيا أن تمارس فيها القوة الناعمة، وهو ما وصفه وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو بـ"العمق الإستراتيجي" لتركيا، أطلق المحللون على السياسة الخارجية التركية الناشطة وصف "العثمانية الجديدة".

- تحدَي الرئيس أردوغان للصوفية المنظمة (جماعة كولن) في تركيا بهذا الوضوح والانكشاف قد لا يكون لمصلحة الدولة على المدى الطويل، وقد كان للصوفية أثرها في قمع السلطنة قديما وإضعافها، ويبدو أن موجة التصوف الجديدة سيكون لها نفوذ ومستقبل داخلي عميق بحكم معارضتها للسلطة مما قد لا يرى أبعاده السياسي لحظة القوة والانتصار.

- في العصر الحديث قامت ديمقراطيات بعد الاستعمار نجحت في البناء وخففت من شناعة الديكتاتوريات مثل : "كوان لو" في سنغافورة، و"محاضير محمد" في ماليزيا، ديمقراطية تركيا حقيقية وأحسن من طريقة الزعيمين المذكورين، إنما الخوف من أن تكون الحقيقة الديمقراطية في تركيا تمهد لدكتاتور يحافظ على نفوذه حيث حل، ولهذا كان خروجه محببا لكثيرين ممن أرادوا لتركيا الخير، لإنهاء شبهة السيطرة التي قد تقع ولو كانت النسبة: 51%، فهيَ مهما كانتَ أصوات صحيحة وانتخابات نزيهة، وتترفع عن مهازل الانتخابات العربية. وقد ترك أردوغان في قرابة عقدين من الزمان أثرا على تركيا قد لا يقل عن أثر أتاتورك، وكسر الحزب ظهر العسكر حراس العلمانية المتطرفة، وحطم المحرمات العلمانية الأتاتوركية، وأحيا الحرية الدينية، وأعطى الأمل بل والعمل لطبقات من الناس كانت محرومة في النظام السابق، وأعطى تركيا الاحترام والنفوذ الذي فقدته منذ قرن من الزمان. أتوقف هنا، ولا أزيد عليه حتى لا يطول المقال أكثر، والأهم هي الدروس التي يمكننا الاستفادة منها في تدبيرنا للصراع السياسي مع السلطة الفعلية، على وعد باستكمال الموضوع قريبا بحول الله.

قراءة 112 مرات آخر تعديل في السبت, 28 أوت 2021 09:11