الأحد, 05 سبتمبر 2021 08:40

منسيون في أعالي جبال الونشريس...لا تنسونا في هذا القفر مميز

كتب بواسطة :

وجهة جمعية "جزائر تضامن" هذه المرَة ولاية تيسيمسيلت، لا تُعرف إلا بالفقر، رغم أنها كانت رائدة يوما ما في إنتاج القمح وفائض الأعلاف، كان هذا في زمن مضى...مساحات وأراض شاسعة على مد البصر صفراء تحاصرك أينما اتجهت هناك...ناشطان جمعويان من بلدة "برج بونعامة"، ربما هي كبرى دوائر ولاية تسيسمسيلت، كانا في انتظار فريق جمعية "جزائر تضامن" في حملة تضامنية لتفقد بعض أفقر بلدات الولاية وتوزيع أغطية وأفرشة ومعونات..

"عبدالحق" متمرس في أحوال المنطقة، قادنا إلى بعض مداشر ودواوير دائرته "برج بونعامة" في أعالي جبال الونشريس...عائلات محرومة من أبسط الحقوق الآدمية..في انقطاع عن العالم لا يكادون يرون بشرا إلا نادرا...متناثرين هنا وهناك في بيئة قفر، لا زرع ولا ضرع، في ملاجئ يقال عنها دوَار في بلدية "بلحسن"، لكن هي إلى الزمن البدائي الحجري أقرب منه إلى عالم اليوم...بقايا بشر تُركوا لمصيرهم يعيشون على المعونات والمساعدات التي تصلهم أحيانا، وقد يمر عليهم الشهر ولا توقد نار في بعض البيوت...يرحبون بقدور الزائر النادر بابتسامة وترحاب، الحرمان متمكن هناك بسط عرشه في كل زاوية، كل ما تفكر فيه من ضرورات الحياة هم بحاجة إليه، وكل الذي يرجونه "لا تنسونا...تفكرونا"....

في هذه المناطق المنسية يتعانق الظلم والفقر، بدأتنا رحلتنا من مكان قريب من مقر السلطات المحلية في بلدة "برج بونعامة"، عائلة مكونة من أرمة وأبناء ثلاثة، تقيم في مكان ضيق أشبه بمغارة مُظلمة، والنور يرمقهم من بعيد، أغراضها مُكدسة في المدخل، وشبه غرفة يتقاسمونها تختصر حياتهم، لا يعرفون غيرها، الأب توفي منذ فترة وكان ينتقل من مكان بحثا عن عمل، ضاقت به الحياة بما رحبت حتى مات كمدا وغما، وعائلته من بعده بلا عائل ولا معين...استقبلنا أبناؤها الصغار بابتسامة تُخفي ركاما من الحرمان والقهر، احتضنهم الفقر باكرا وترعرعوا في كنفه، فهل لمأساتهم نهاية؟ كل ما يرجونه أن يعيشوا بشرا أسوياء، يتألمون كثيرا لحالهم، وأمهم محور حياتهم، ودَ أحد منهم لو يخفف عن هذه الأم المكلومة المسحوقة بعض ما تعانيه، أو يطرد عنها الشرود والهموم..وزع فريق الجمعية عليها بعض ما تحتاجه على وعد بعودة قريبة لتجهيز أبنائها باللوازم المدرسية، وغادرناهم إلى مكان لا يبعد على مقر دائر "برج بونعامة" إلا بحوالي نصف ساعة أو أكثر بقليل، وتحديدا الدواوير التابعة لبلدية "بلحسن"، عزلة تامة وانقطاع عن العالم..

توقفنا قريبا من أكوام قصب وقشَ، "ها قد وصلنا"، كما أخبرنا دليلنا "عبد الحق"، وصلنا إلى أين؟ هل ثمة بشر هنا؟! ناداها باسمها "خالتي.."، ودقَ عليها بابا متهالكا، حياها من ورائه.."حباب ربي...ضيوف جاءوا لزيارتك من العاصمة"، تهلهل وجهها، وأذنت لنا بالدخول إلى قفر داخل قفر، وأطلت علينا "خولة" ابنتها الصغيرة لاهثة وكأنها قادمة من عمق الصحراء تائهة، مريضة بالسكري، بدت فرحة بقدومنا، تدرس في ابتدائية بعيدة، وكأنها تقطع الفيافي والقفار، فرحت بالألبسة الشتوية التي أحضرناها، وقادتنا إلى الكوخ الذي يأويها مع أمها وأختها الكبيرة، المعاقة ذهنيا، أبوها توفي منذ فترة، ولحقه جدها بعد وقت قصير، أظلمت الدنيا عليهم.."متى تنتقلين إلى البيت الجديد"، سألها المرافق "عبد الحق"، مجموعة من المتطوعين جمعوا لها بعض المالي وبنوا لها بيتا صغيرا أمام كومة القصب التي تؤويها مع بنتيها، "لعلي أسكن القبر قبل أن أسكنها...توقفت الأشغال وجف الضرع والتهم البناء المال الذي جُمع في البناء، في انتظار أن يتكرموا علينا لتهيئته بأقل القليل..فما أكاد أجمع ثمن دواء خولة"..وطمأنها "عبد الحق": لن ننساك يا خالة، وهاهم ناس الجمعية قدموا لمعاينة الحال وسيساعدونك على إتمام ما تبقى من تهيئة البيت الجديد".."المهمَ أن أجمع خولة وأختها المريضة تحت سقف آمن وفي بيت يلمَ شعثنا.."، وعدتها بأن نجمع لها ما تيسر والعودة إليها قريبا، انبسطت أسارير وجهها وانهالت علينا بالدعوات..

غادرناها إلى خالتي "وحيشة" غير بعيد عن القفر الذي احتضن عائلة "خولة"..مع ابنتها المريضة تتقاسم معها العنت والفقر والحرمان..بادرت دليلنا "عبد الحق"، بقولها: "طولت علينا هذه المرة يا وليدي..تفكرونا شوية ما تنساوناش" بابتسامتها التي لا تغادر مُحياها..."لا نكاد نرى بشرا هنا، لولا بعض جيراننا المتناثرين هنا وهناك لظننا أنفسنا تائهين في صحراء موحشة"..قدَمنا لها بعض المساعدات (أغطية وأفرشة وألبسة)، فعضات الصقيع في الشتاء البارد تنغص عليهم حياتهم القفر...ولنا عودة قريبة إلى هذه العائلة ومثيلاتها بالمؤونة ومستلزمات أخرى ومعونات..

أنهينا حملتنا التضامنية دوار قريب تابع لبلدية "بلحسن (دائرة برج النعامة) بزيارة عائلة شدنا إليها كثير حال الشقيقين المريضين (قصور في المستوى الإدراكي أو حالة من التخلف الذهني)، الكبير في منتصف الخمسينات والأصغر منه في منتصف الأربعينات، لصيقين ببعضهما لا يكادان يفترقان، يقضيان وقتهما في رعاية ماعز تبرع بها أحد المحسنين، فأصبحت هي مدار حياتهما، ترعاهما أم طاعنة في السنة وأخت مريضة هي أيضا لكن أفضل حالا منهما، أكثر عيش هذه العائلة من الصدقات، على قلتها، فالمنطقة مهجورة معزولة ولا يُعرف الطريق إليها إلا بدليل...حياة بسيطة إلى أبعد الحدود، كل عبء المعيشة على أمهما، على كبرها، لا يعرفان من العالم إلا الأم والأخت والماعز، ولم يغادرا هذا المكان الموحش منذ فترة طويلة..وزعينا عليهم بعض الألبسة، والمرافق "عبد الحق" يمازحهما، سأل أحدهما: "واش راك حاب"، فرد عليه مبتسما: "حبيت نتزوج"، أنطقته الفطرة، وأخذا نصيبهما من الألبسة والأفرشة إلى أمهم في كوخها، وودعناهما على وعد يزيارة قريبة...

في هذه المناطق القفر يتعانق الظلم والفقر، لا يتخلف أحدهما عن الآخر، لم يروا مسؤولا قط، لا يعرفون عنهم شيئا إلا حكايات وروايات، احتضنتهم أعالي جبال الونشريس وآوتهم لكنها عادت بهم إلى الزمن السحيق، البدائي الحجري، بعد 60 سنة من الاستقلال، تكفي لبناء دول وأمم وبلدان، يعيش أناس حياة البشر الأوائل في الأزمنة الغابرة، والإنسان القديم كما درجوا على تسميته، فماذا نسمي عصر هؤلاء الذي يعيشون زماننا بظروف العصر الحجري؟؟  

قراءة 142 مرات آخر تعديل في الأحد, 05 سبتمبر 2021 08:50