الخميس, 09 سبتمبر 2021 09:11

الحملة على "نورين"...ما وراء التهكم بمقاطعة "التصهين" مميز

كتب بواسطة : مراقب

"قرَر الاتحاد الدولي للجودو إيقاف اللاعب الجزائري فتحي نورين ومدربه عمار بن يخلف 10 سنوات عن المشاركة في أية نشاطات أو مسابقات ينظمها والاتحادات المنضوية تحت لوائه، بدعوى إخلالهما بلوائح الميثاق الأولمبي"، هكذا يعاقب من ينتصر لقضية فلسطين ويولي ظهره للتطبيع مع التصهين، والأسوأ أن هناك من يتهمك بموقف المصارع الشهم ويسخر من فكرة المقاطعة، ويتهم صاحبها، وهذا منطق المهزوم الخنوع أو الجاهل مُغيب العقل فقير الضمير أو المغفل البائس، ويحلو لبعضهم أن ينصح بعدم اعتراض موجة التطبيع الجارفة، فمن يقف في وجه العاصفة سوف يرونه من الحمقى، أو معارضا لوجه المعارضة حين لا تكون مجدية، أو يحتقرون صنيعه ويشنعون به، وهذا عدوان على العقل والقلب والضمير والتاريخ، إن لم يكن عدوانا على الإنسان، فإن كان الضمير والعقل والإنسانية تعترض على جرائم هتلر، فإن هذه كلها تشهد بأن الجرائم في فلسطين لا تقل شناعة، فهتلر في زمنه والصهاينة في زمنهم كل منهما مارس الإبادة الجماعية..

صحيح أن قضية المصارع "نورين" استغلتها أبواق أجهزة السلطة ومطبليها، لبيان أنهم ضد التطبيع ومن مناصري المقاطع استغفالا للناس وضحكا على العقول، فشوتها (قضية نورين) من حيث أرادت المتاجرة بها، لكن أسوأ من هذا وأخطر استغلال المطبعين المحليين والمغفلين لتسفيه فكرة وتتفيه صاحبها المقاطعة والسخرية منها، لتمييعها ومنع الناس من التفاعل مع رَوادها.

ولا يقتل الفكرة إلا السكوت عنها أو السخرية بها أو تمييعها أو تشويهها أو خذلانها من الوصول للناس، وكم من حق اغتاله الصامتون، والقضايا الكبرى لا تُسقط القضايا التي قد يراها بعضنا صُغرى، ولأن القضايا التي تُرى صُغرى في لحظة الذهول والإغراق والانغماس ستكون مع مرور الوقت كُبرى، فأرجو أن تتسع رؤيتنا...والمبالغة في التشكيك مرض قد يثير الغبار في وجه من يطالب باتساع الرؤية وإنضاج الموقف... وكم من حق اغتاله الصامتون، وكم من مظلمة قهرت الناس بسبب سكوت المثقفين، إذ إن التنازل عن استقلالية الرأي والموقف في لحظة من لحظات الضعف والجبن وإيثار الصمت عن التعبير عن الحق، يلازم لحظة التخبط وربما الانحطاط في إنسانية الإنسان..

قضية فلسطين سوف تساهم في تحريرنا من الخنوع للمستغلين، وتحرير قلوبنا وعقولنا بوجود نماذج تقاوم ولو كانت مجموعات صغيرة ومحاصرة، ولو في الرياضة (كما فعل المصارع الشهم نورين) أو في أي مجال آخر، فحرية المقاومة، مهما تكن هذه المقاومة، أقوى من حياة الملايين المشلولين، فهي التي تقدح الحياة في الضمائر الميتة الخائفة، ولن يقاوم التطبيع إلا بإبقاء شعلة ولو خافتة لمقاومة إرهاب المحتل.. ويجب حشد الحقائق والمشاعر الإنسانية دوما حولها، فقد مورس على الفلسطينيين أقسى إرهاب بشريّ مستمر ومحمي في القرنين العشرين والحادي والعشرين، والإرهاب والترويع قائم ليل نهار لاستئصالهم واستئصال قضيتهم، وقد قتل منهم عشرات الآلاف، وأجبر الباقون على الخروج، ممّا يثبت دائمًا أن هناك شعبًا يمارس ضده أقسى الإرهاب الوحشي المسكوت عنه، بل المؤيّد عالميا لأسباب دينية وسياسية وعنصرية، تكفيرًا عن مذابح مسيحية لليهود في أوروبا، إذ يجب على الفلسطينيين أن يدفعوا ثمن المذابح النصرانية ضد اليهود، وأن يقع عليهم الإرهاب والمذابح كما حصل لليهود، أو لأن أوروبا وأمريكا تريدان تنظيفًا عرقيًّا لبلادهما من اليهود، فتدفع بهم إلى مستعمراتها في بلاد عربية، وتقهر اليوم المحميات والأتباع الدكتاتوريين بقبول قرار ورغبة أوروبية في الخلاص من آثامها التاريخية البعيدة أيام الحارات اليهودية "الجيتوات"، والمذابح الأخيرة في الحرب العالمية الثانية، فيُقيمون للفلسطينيين حرب إبادة "هولوكوست"، كما نفذوا في أرضهم "مذابح اليهود".

كل هذه المحاولات والتزوير والتهجير وهدم البيوت وتدمير الحياة يجب أن لا تغير حقيقة أن هناك شعبًا يقهر ويباد ليغادر أرضه. فإن كانت الحقيقة أول ضحايا الحرب، فإن التضحية باللغة (والمشاعر) تسبق أي معركة، حيث تنحاز للقادر على العبث بها أكثر من غيره، وتنحاز لصاحب الصوت والمنبر والخطاب الأعلى تأثيراً.

واللغة هنا لا يُعنى بها الحروف والكلمات ولكن المصطلحات والتعبيرات والمعاني، فقد بلغ أمر احتلالهم للغة بعد احتلال الأرض والسماء والبر والبحر مؤديا إلى احتلال اللسان والعقل وأسلوب التعبير، وحتى بدأنا نستنكر ألسنتنا يوم نقول بعض الحقيقة ونستنكر آراءنا يوم نتحدث عن إرهابهم أو جورهم، وأصبح من بني قومنا وبلدنا من يستنكر على نفسه لومهم ومقاطعتهم، لأن المهزوم دائما يكون في دائرة الخطأ، والتشنيع، وتدور عليه دائرة عدم الثقة بالنفس، وهذا جانب واحد مما يسمى ثقافة الهزيمة، فالمهزوم لا بد له أن يقر بأن الأفكار التي يحملها ويؤمن بها هي سبب هزيمته، ويبلغ التشكيك بثقافته حد التشكيك ببدنه وعقله ولغته وجغرافيته، ليجمع في عقله كل دليل يؤيد كونه مهزوماً دائماً، وهذا الاحتلال العقلي واضح عند من يصبح ويمسي يهجو من يقاوم ولو بالحد الأدنى.

قراءة 223 مرات