طباعة هذه الصفحة
الثلاثاء, 21 سبتمبر 2021 18:26

اليوم الأول من "الوحل" (المدرسة سابقا) مميز

كتب بواسطة :

ظنَ نفسه طفلا سويا بريئا، كغيره من أطفال العالم، فبكَر إلى المدرسة، بدا في صباح اليوم نشطا فرحا مسرورا بمزاحمته لأصدقائه في فناء مدرسة أُعدت له ولأصحابه وزملائه، هكذا تخيلها، لم يكن يدري أن الشلل التام قضى على أول حلم في حياته، حتى مجرد الدخول الهادئ للمدرسة حرموه منه..وجد نفسه غارقا في أوحال المدرسة التي قيل إنها على استعداد لاستقباله، فإذا هو كمين كُمن له أو فخ نُصب له، كأنما نصَبوا له العداء والشر وهو الطفل البريء من السياسة وأحابيلها، استيقظ على حلم تحول بعد دقائق إلى "كابوس"...غاصت قدماه في مستنقع مليء بالوحل قريبا من مدرسته التي تلاشت جدَتها لكن عمرانها لم يختف، هي على بعد أمتار منه، ما استطاع الوصول إليها، حيل بينها وبينه الوحل، وحلُ الفشل والعجز والتيه..

ترك أباه يخوض حربا ضروسا ليظفر بلقيمات وحسوات وما تيسر له من ضرورات الحياة، وربما يأتيه بمحفظة، وغادر أمه المكلومة، ودعته وقلبها يتفطر كمدا وغما مثقلة بالهموم والأحزان..عاد سريعا كأن لم تكن بينه وبين المدرسة مودة، أو كأنها خاصمته وانقلبت عليه ولم تصبر على لحاقه، لكنه عاد محمولا أنقذه أحد رجال الحماية المدنية من الغرق في الأوحال...مدرسته التي حلم بها استقبلته بالطين وكادت أن تغرق هي أيضا...ورغم قساوة ظروف الحياة التي يعيشها هذا الطفل وأمثاله لكن مظهر مدرسته الغارقة في الأوحال أقسى وأمرَ..

دخل على أمه وهو منكسر القلب حزينا، والأم لا شغل لها إلا هذا الطفل المهموم، تحمل من الأوجاع ما يفوق سنه، ولا ترغب الأم فى أكثر من الاطمئنان على ابنها، عاد إليها فزعا مسعوفا...أما اليوم الأول من الدراسة، فلا تسل عنه فقد طواه الوحل..خطا الطفل الخطوات الأولى على أديم فناء مدرسته، ترجل على الأرضية فإذا هي مستنقع موحش سارع إليه رجل الحماية المدنية فأنقذه مما هو فيه: "ألم تطأ قدماي فناء المدرسة أم لعلي أخطأت العنوان؟"، لم يجد المسعف ما يجيبه به إلا الحوقلة. وما حال زملائه؟ يتشبث بعضهم ببعض في طوابير حلزونية حيرى...ولسان حالهم "أنجُ سعد فقد هلك سعيد"!!

كيف يكون ملايين الأطفال متكدسين أمام البوابات حالمين بالدخول إلى المدرسة وطفلنا يُخرج منها مذعورا؟ سيدرك لاحقا أنه في نظر المسيطرين على وطنه ليس إلا رقماً ينضاف لأرقام يرقمها موظف البلدية في سجل المواليد.. في خطواته الأولى إلى "مدرسته" الموعود بها لاحت له الصورة الكاملة على صغر سنه: يتدافع العشرات من الأطفال جهة البوابة التي يريدون الخروج منها، أجسام مرهقة وعيون متوسلة وأياد ممتدة بحثا عن طوق نجاه من مستنقع المدرسة، فعلوها صغارا وقد يتكرر معهم المشهد عندما يصيرون شبابا لكنه هروب من الوطن الوحل وليس المدرسة الوحل... صورة اختصرت وضع البلد كله..ومستنقعات العمر ينوء بها المصير..

قراءة 179 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 21 سبتمبر 2021 19:26