الجمعة, 15 أكتوير 2021 16:44

أزمة الطاقة العالمية هي البداية...والقادم أسوأ مميز

كتب بواسطة :

من المتوقع أن يجتمع قادة العالم الشهر المقبل في قمة COP26، لمواجهة أزمة انبعاثات الكربون العالمية المستحكمة. فمنذ شهر ماي المنصرم ارتفعت أسعار النفط والفحم والغاز بنسبة 95٪. وهذا ما دفع أعادت بريطانيا، الدولة المضيفة للقمة، إلى تشغيل محطات الطاقة التي تعمل بالفحم، ووصلت أسعار البنزين الأمريكي إلى 3 دولارات للجالون، وانقطاع التيار الكهربائي عن الصين والهند، وذكّر فلاديمير بوتين أوروبا، مؤخرا، بأن إمداداتها من الوقود تعتمد على روسيا..

وهذا الذَعر، كما كتبت مجلة "إيكونوميست"، هو تذكير بأن الحياة الحديثة تحتاج إلى طاقة وفيرة: فمن دونها، تصبح الفواتير باهظة الثمن، وتتجمد المنازل وتتوقف الأعمال. كما كشف الذعر عن مشاكل أعمق مع تحول العالم إلى نظام طاقة أنظف، بما في ذلك الاستثمار غير الكافي في مصادر الطاقة المتجددة وبعض أنواع الوقود الأحفوري الانتقالي، وزيادة المخاطر الجغرافية السياسية وهشاشة السلامة في أسواق الطاقة.

ومن دون إصلاحات سريعة، تقول المجلة الاقتصادية البريطانية، سيكون هناك المزيد من أزمات الطاقة، وربما ثورة شعبية ضد سياسات المناخ. وبدت فكرة هذا النقص سخيفة في عام 2020 عندما انخفض الطلب العالمي بنسبة 5٪، وهو الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، مما أدى إلى خفض التكاليف في صناعة الطاقة. ولكن مع عودة الاقتصاد العالمي إلى طبيعته، ارتفع الطلب حتى مع انخفاض المخزونات بشكل خطر. إذ بلغ مخزون النفط 94٪ فقط من مستواه المعتاد، وتخزين الغاز الأوروبي 86٪، والفحم الهندي والصيني أقل من 50٪.

والأسواق الضيقة مُعرَضة للصدمات والطبيعة المتقطعة لبعض مصادر الطاقة المتجددة. وتشمل قائمة الاضطرابات: الصيانة الروتينية، والحوادث، وقلة الرياح في أوروبا، والجفاف الذي أدى إلى خفض إنتاج الطاقة الكهرومائية في أمريكا اللاتينية، والفيضانات الآسيوية التي أعاقت شحنات الفحم. ربما ينجو العالم من ركود حاد في الطاقة: قد يتم حل الثغرات وقد تعزز روسيا والأوبك على مضض إنتاج النفط والغاز. ومع ذلك، فإن التكلفة ستكون، على الأقل، تضخما أعلى ونموا أبطأ. وقد يكون المزيد من مثل هذه الضغوط في الطريق.

ففي أمريكا، من المرجح أن ترتفع الأسعار في كل شيء تقريبا، بدءا من البنزين إلى محلات البقالة حتى العام المقبل، مما يهدد بتحويل قضية اقتصادية محتدمة إلى قضية سياسية رئيسية. وأما في أوروبا، فليست فاتورة التدفئة فقط هي المعرضة للارتفاع بسبب أزمة الطاقة في أوروبا، فارتفاع أسعار الطاقة يعني أن الغذاء سيكون أكثر تكلفة في الأشهر المقبلة أيضا. وهناك إجماع أوروبي على أن ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الأسمدة، وأن هذه الزيادة من المرجح أن تؤثر مباشرة في القدرة الاستهلاكية والشرائية، والغاز الطبيعي هو المادة الأولية الرئيسية لإنتاج بعض الأسمدة الاصطناعية الأكثر شيوعا، مثل اليوريا ونترات الأمونيوم، والتي يعتمد عليها المزارعون للحفاظ على غلة المحاصيل في أوروبا.

***

وأزمة الطاقة التي نراها الآن هي البداية، والمتوقع مستقبلا أكبر مما نرى اليوم، وربما تكون أزمة تاريخية بكل المقاييس. وقد بدأت الأزمة الحالية بانتشار الجفاف حول العالم، وهو ما خفض منسوب المياه في السدود، فانخفضت كمية الكهرباء المولدة من الطاقة الكهرومائية. و ارتفاع درجات الحرارة يعني عدم وجود رياح، وعدم وجود الرياح يعني توقف عنفوان الرياح عن توليد الكهرباء، ما أجبر بعض الشركات على زيادة الاعتماد على الغاز والفحم، فارتفعت أسعارهما، وارتفعت معهما أسعار الكهرباء.

وإن كان ثمة تعويض، فالأصل أن يأتي من مصادر لم تكن مستخدمة، ما يعني أن الطاقة الشمسية والهوائية لا تستطيع التعويض. والحل هو زيادة معدلات تشغيل المحطات العاملة بالوقود الأحفوري، أو تشغيل محطات متوقفة تعمل بالوقود الأحفوري. من هنا، بدأت زيادة الطلب على الفحم والغاز والنفط. وأسهم انخفاض أسعار النفط والغاز في السنوات الماضية في تخفيض الاستثمار في الصناعة، كما أسهم في تخفيض أسعار الفحم، وتخفيض الاستثمار فيه.

وكان الغاز أكثر تأثراً لأسباب عدة، أهمها زيادة الاعتماد عليه في السنوات الماضية بسبب انخفاض أسعاره من جهة، وبسبب انخفاض انبعاثاته من جهة أخرى. إلا أنه كان أيضاً مصدر الطاقة البديل للطاقة المتجددة عندما تغيب الشمس، أو تتوقف الرياح. ونتج عن الارتفاع التاريخي في أسعار الغاز والغاز المسال في الأسواق الفورية تفضيل الدول المصدرة الالتزام بالحد الأدنى في العقود وبيع الباقي في السوق الفورية.

ونتج عن هذا انخفاض كميات الغاز المتاحة للمتعاقدين. وهذا يفسر التصريح الروسي بأن شركة "غاز بروم" قامت بتوريد كل الكميات المتعاقد عليها. التصريح صحيح، ولكنه يعني أيضاً أنه الحد الأدنى في العقد، وأنه تم تحويل الكميات فوق ذلك إلى الأسواق الفورية. ونتج عن الارتفاع الكبير في أسعار الفحم والغاز المسال زيادة اعتماد الهند على الفحم المحلي، إلا أن انخفاض المخزون في محطات الكهرباء من جهة، ورداءة الفحم الهندي، وعدم القدرة على زيادة الإنتاج من جهة أخرى، عوامل أسهمت في زيادة شح الإمدادات، وأسهم الارتفاع الشديد في تكاليف الشحن البحري في رفع أسعار الطاقة أيضا.

قراءة 111 مرات آخر تعديل في الجمعة, 15 أكتوير 2021 17:33