الأحد, 24 أكتوير 2021 17:17

هل تصلح الزيادات في الأجور ما أفسده القهر؟ مميز

كتب بواسطة : د. المير يوسف / كاتب وأستاذ جامعي

بعد القرارات الأخير المتخذة إثر انعقاد مجلس الوزراء مطلع الشهر الجاري، خصوصا تلك الخاصة بمراجعة قيمة النقطة الاستدلالية في قطاع الوظيف العمومي وأيضا تخفيض نسبة الضريبة على الدخل الشامل والتي ستمس كل القطاعات، عبرت شريحة كبيرة من الموظفين عن ارتياحها وأملها في أن تكون الزيادات معتبرة، بحيث تتحسن القدرة الشرائية للموظف العمومي، والذي يُعتبر أجره من بين الأضعف عالميا وحتى عربيا.

وفي انتظار المصادقة وصدور قانون المالية لسنة 2022 الذي سيرسم هذه القرارات ويحدد القيمة الحقيقية للزيادات في الأجور التي ستنتج عنها، تتضارب الأخبار والتسريبات بخصوص قيمة النقطة الاستدلالية الجديدة والتي من خلالها يمكن توقع قيمة هذه الزيادات.جدير بالذكر أن آخر مراجعة لقيمة النقطة الاستدلالية كانت قبل أكثر من 14 سنة، وذلك بمرسوم رئاسي صدر في سبتمبر 2007 حين تم رفع قيمة النقطة الاستدلالية من 12 د.ج إلى 45 د.ج، أي حوالي أربع أضعاف دفعة واحدة، وكان ذلك متزامنا مع التحضير لمشروع تعديل الدستور في 2008 الذي تم بموجبه إلغاء تحديد عدد الفترات الرئاسية تحضيرا لرئاسيات 2009.

مضاعفة قيمة النقطة الاستدلالية أربع مرات دفعة واحدة أدى إلى زيادات معتبرة في أجور الموظفين مقارنة بما كانت عليه، ولكن حاليا وبالعودة إلى ما كانت تمثله قيمة تلك الأجور حينها، أي بداية من سنة 2008 وما تمثله حاليا اعتمادا على السعر الرسمي لصرف الدولار الأمريكي مقابل الدينار الجزائري بما أن الميزانية تعتمد على سعر برميل البترول بالدولار الأمريكي سعرا مرجعيا (من 37 إلى 40 دولار في ميزانية 2022)، فإنه من الواضح انهيار القيمة الحقيقية لهذه الأجور إلى أكثر من النصف، إذ إن واحد دولار أمريكي في سنة 2007 كان يساوي حوالي 67 د.ج، أما حاليا فهو يساوي 137 د.ج.

وبالتالي، فتلك الأجور فقدت أكثر من نصف قيمتها، فمثلا الشخص الذي تم توظيفه سنة 2008 في منصب معين براتب قدره 30000 د.ج. ويتم حاليا توظيف شخص آخر في نفس منصبه وبنفس المهام بنفس الراتب ظاهريا، لكن بقيمة تعادل النصف في الواقع أي كأنه يتقاضى فعليا 15000 د.ج. وبالمقارنة مع انخفاض القدرة الشرائية وانخفاض قيمة الدينار الجزائري مقابل الدولار الأمريكي إلى النصف منذ آخر زيادة  للأجور، فالمفروض أن أقل زيادة تكون برفع الأجور إلى الضعف، وحتى تكون الأجور الصافية الحالية مساوية لقيمة الأجور بعد آخر زيادة، فإن ذلك يتطلب رفع قيمة النقطة الاستدلالية إلى أكثر من 100 د.ج على أقل تقدير أو إعادة النظر في نظام المنح والتعويضات أيضا ليتماشى مع الأوضاع الاقتصادية الحالية خصوصا في بلد يستورد تقريبا كل شيء في النجاعة في كل محاولات تنويع الصادرات خارج المحروقات وفشل الاستثمار الداخلي في خلق الثروة.

من ناحية أخرى، هناك أيضا أخبار متداولة عن تخفيض الضريبة على الدخل الشامل (IRG) حسب مشروع المالية لسنة 2022، الذي أعاد تقسيم الفئات الخاضعة للضريبة مع تحديد نسبة ضريبة أقل مطبقة على كل فئة ما من شأنه تخفيض قيمة الضريبة وبالتالي رفع الأجر آليا، ولكن في الواقع الزيادات بهذه الطريقة (أي التخفيض في نسبة الضريبة) ليست بتلك الأهمية إذا ما قورنت مع ما هو مأمول من خلال مراجعة قيمة النقطة الاستدلالية، خصوصا أن الأجور التي تقل على 30000 د.ج معفاة أصلا من الضريبة، كما أن التي ستستفيد من الزيادات ستتفاوت في ذلك، فالزيادات الناتجة ستكرس تباينا كبيرا في الأجور، إذ إنها ستؤدي إلى زيادات طفيفة أو قليلة بالنسبة لأصحاب الدخل الضعيف، بينما ستكون قيمتها أكبر نسبيا كلما ارتفع الدخل، وهذا دون الحديث عن معدومي الدخل والبطالين في غياب تكفل اجتماعي حقيقي بهذه الفئة رغم ما يتم تداوله بشأن استحداث منحة البطالة، والتي تُطرح حولها كثير من التساؤلات، خاصة في مدى استيعابها لجميع طالبيها ومستحقيها دون إقصاء.

مع ذلك وحتى كتابة هذه السطور، يبقى كل ما ورد من أخبار عن زيادات في الأجور، وتخفيض في الضريبة واستحداث منح للبطالين وغيرها من الأخبار، دون تفاصيل وإجراءات رسمية مجرد أخبار للاستهلاك حتى صدورها رسميا من الجهات المعنية، ولن تُقدم على هذا قبل إجراء الانتخابات المحلية القادمة، وحتى ذلكم الوقت فإن لكل حادث حديث، وسيظهر إن كانت تلك الزيادات حقيقية أم مجرد التفاف وخطوات استباقية لتغطية زيادات قادمة في الأسعار ومزيد من رفع الدعم عن المواد الأساسية واسعة الاستهلاك، وهذا ما قد يسبب صدمة للشارع وللموظفين المقهورين والآملين في تحسن وضعهم. وحتى إن كانت الزيادات في مستوى آمال الطامحين كما كانت في 2008، فهل ستكون هذه الزيادات ثمن سكوت الشعب مثلما كان عليه الحال عندما قبل تمديد فترات حكم الرئيس فكان ما كان؟

قراءة 95 مرات آخر تعديل في الأحد, 24 أكتوير 2021 17:31