الجمعة, 29 أكتوير 2021 11:14

النفوذ الروسي والتركي المتزايد في الجزائر... مميز

كتب بواسطة :

توثيق بعض السلطة الفعلية الارتباط بالروس سيثير قلق الأمريكيين، وواشنطن تدرك أن باريس عاجزة، وثبت لها هذا بوضوح في مالي والساحل، وفي مناطق صراع أخرى، ومن أهمها لبنان، وتفضل أمريكا في السنوات الأخيرة أن تقطع طريق تقدم وتوسع الروس باستخدام تركيا أو بغض الطرف عنها في تمددها وعدم التشغيب عليها، ولهذا في أحد أهم ملفات الخلاف بين أنقرة وواشنطن (والقضية الخلافية الكبرى بينهما الأكراد في الشمال السوري)، صفقة طائرات F16، يرى الخبراء الأمريكيون المؤيدون للبيع أنها موجهة لتعزيز القوة الجوية لحلف الناتو ضد روسيا..

وقد سعت أنقرة للاستفادة من علاقاتها مع موسكو لإجبار واشنطن على تقديم تنازلات بشأن بيع طائرات F-16، فهذا التشابك في المصالح والعلاقات يشير إلى تحولات هائلة في منطق السياسات والدول المؤثرة وموازين القوة وإدارة الصراع والأزمات. روسيا لا تشكل تهديدا حقيقيا لأمريكا، كما تراها هي، مثل الصين، بيكين هي الخصم اللدود للولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، لكن تتابع (أمريكا) توسع الروس بقلق، ومرتاحة لمزاحمة تركيا لها في كل من ليبيا وسوريا والجزائر ومناطق أخرى، أو على الأقل تغض الطرف عنها، ولهذا نرى في الفترة الأخيرة توسعا للمصالح والاستثمارات والتعاون التركي الجزائري..

تركيا في تعاملها مع الروس، تعلمت دروسا كثيرة، فبعد أن روض بوتين أردوغان في سوريا في سنوات التدخل التركي الأولى (وتحديدا منذ 2015-2016) في الشمال السوري، بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية، وحقق بوتين من التفاهم والاتفاق مع أردوغان مكاسب مهمة في الصراع السوري، استدركت تركيا في ليبيا وأرمينيا، وحتى في سوريا عطلت الاقتحام الروسي وقوات المجرم الأسد لإدلب لاستعادتها من فصائل الثورة، وإن كان نظام الإجرام في دمشق وقائد المحرقة في سوريا، بوتين، لن يتنازلوا عنها، ربما أصبحت تركيا بعد سنوات من العلاقات المتقلبة مع الروس، بين التفاهم وتضارب المصالح، أكثر ندية في التعامل مع موسكو.

لكن هل لهذا أثر في التنافس على توسيع النفوذ في الجزائر؟ ربما، وإن كانت موسكو تركز أكثر على التسليح والجانب العسكري والاستخباري في الجزائر وساحتها الخلفية وعمقها الإستراتيجي في مالي خاصة والصحراء الغربية، هذا في الوقت الذي تعمل فيه أنقرة على تعزيز حضورها التجاري والاستثماري وتوسعت إلى مجال الطاقة، فهل هناك تقاسم للأدوار؟ لا أظن، ليس الأمر ضربة لازم وحتما مقضيا، وإنما لكلَ مساحته من التأثير والنفوذ، على الأقل حتى الآن، وربما ترغب واشنطن في توسيع تركيا لحضورها لتقطع الطريق على روسيا في الجزائر، وهذه سياسة اعتمدتها أمريكا في أكثر من منطقة صراع، لكن لا تملك تركيا أن تكون بديلا للروس في مجال التسليح إلا ما كان من طائرات "بيرقدار" المسيرة..ولهذا ترى تركيا في الجزائر ساحة نفوذ تجاري واقتصادي إستراتيجية، وأحد المصادر البديلة للطاقة، وهي أهم ما يقلق تركيا في السنوات الأخيرة، تنويع مصادره خروجا من أغلال الاعتماد شبه الكلي على الروس..

وقد أصبحت الجزائر أحد أبرز مزودي تركيا بالغاز الطبيعي ما أتاح لها خفض اعتمادها على روسيا وإيران...أنقرة تراهن على توسيع نفوذها في إفريقيا وتزاحم فرنسا في مناطق نفوذها، بل وتقدمت عليها...الغاز الجزائري لا يمكنه أن يكون بديلا عن الغاز الروسي لا في تركيا ولا في أوروبا، لكنه توجه تركيا نحو تنويع مصادر اعتمادها والبحث دائما عن بدائل حتى لا تبقى مرتهنة بيد الروس في مجال الطاقة..

في لقائه الأخير مع أردوغان في سوتشي، بادره بوتين بالقول: "لعلك تعلم أن الغاز قد ارتفع سعره"..ليلوي بهذا ذراعه في شمال سوريا، وتحديدا في إدلب، ولهذا تحاول الخروج من ضيق الاعتماد الكلي إلى سعة التنويع، وهذا تحول في إدارة الصراع...المحرك الأساسي للعلاقات هي المصالح، وأنقرة استدركت على سياستها السابقة، وراجعت للمرة الثالثة منذ 2011 إستراتيجيتها (الأولى في 2011، الثانية في 2016 بعد المحاولة الانقلابية، والثالثة في 2021 واعتماد سياسة التهدئة والتصالح مع الخصوم) وما عادت السياسة هي صانعة الموقف وإنما الأسواق والتجارة والاقتصاد والطاقة..

قراءة 104 مرات آخر تعديل في الجمعة, 29 أكتوير 2021 17:08