الثلاثاء, 02 نوفمبر 2021 04:40

قضية "الصحراء الغربية"...نزيف كبير دون أيَ تقدم مميز

كتب بواسطة :

قضية الصحراء الغربية استنزفتنا كثيرا ولعقود من الزمن، طموحات المغرب التوسعية منذ الملك الحسن الثاني لا تخفى، وهو من أكثر ملوك المغرب دهاء ومكرا ودسيسة، وكان يتطلع إلى التهام موريتانيا، أيضا، لولا أنه وجد صدودا ورفضا من القيادة السياسية للبلاد آنذاك، والقضية مُحمَلة بأحقاد وعناد وترسبات وتراكمات الماضي القريب والبعيد، وهي من النزاعات المعقدة والمتشابكة والتي عمَرت طويلا، وأنفق كلا البلدين، الجزائر والمغرب، أموالا طائلة على التسليح وتضاعفت ميزانية الدفاع، وهما الآن في تسابق محموم لمزيد تسلح، المغرب يعزز به سيطرته على مناطق الصحراء الغربية الخاضعة له، وتحصينا لجبهات وخطوط المواجهة، والجزائر يذهب كثير من التسليح إلى جبهة "البوليزاريو" تعزيزا لمواقعها ودعما لدفاعها.

وبينما اعتمد المغرب في هذا على تحالفه مع أمريكا وتوثيق علاقتها بالمحور "الإسرائيلي الخليجي (الإمارات والسعودية)" لتقوية جبهات الصراع، عمَقت الجزائر ارتباطها العسكري بالروس، وتحركت يمينا وشمالا، تبحث لها عن أوراق ضغط جديدة، لكن لم تحقق أي اختراق في الموقف الدولي، وقد تم التصويت على القرار 2602/2021 الخاص بالصحراء الغربية، وأهم ما ورد فيه تمديد مأمورية المينيرسو لعام جديد، وأبرز نقاط الخلاف إصرار الجزائر على الحوار المباشر بين البوليساريو والمغرب لوحدهما دون وجود دول مراقبة أو أطراف كما كان الحال أثناء آخر جولة مفاوضات مباشرة بينهما عام 2019. والمفاوضات وُلدت ميتة والأمم المتحدة لم تحرك ساكنا لمدة 30 سنة، وبدا أن الخارج ليس متحمسا لحسم هذه القضية، ولا حلها سريعا، ولا هو مستعد لجعلها أولوية في جدول أعماله، وحتى الذي تحمس وتعاطف مع الصحراويين لم يستطع أن يتقدم بقضيتهم خطوة ذات بال إلى الأمام، واكتفى بالتعاطف المجرد، فالقضايا التي لا تخدم "المجتمع الدولي" (أمريكا والغرب) أو بعيدة عن مصالحه لا يعنيه مصيرها كثيرا إلا من باب العلاقات العامة وإدارة أزمة طال أمدها وملَوا منها، وصارت عبئا وصداعا مزمنا.

ويواجه الغرب، عموما، من الأزمات داخل كياناته وحدوده وتحديات ما أثقل كاهله وصرفه عن الغرق في أي قضية بعيدة عنه ولا تهدد مصالحه، ووجدت السلطة في الجزائر نفسها، مؤخرا في عزلة، بسبب هذه القضية، وما بذلته من جهد وصرفته من أموال أكبر بكثير مما حققته، هذا إن حققت شيئا أصلا في أزمة الصحراء الغربية. ومثل هذه القضايا لا يمكن تركها للأهواء والنزوات وتسلط الأقلية، وتتطلب عقلا راجحا ورؤية وتجاوزا للتضارب المستحكم والبحث عن المشترك.

وقضية الصحراء لا تُحسم بالإنفاق الضخم وسباق تسلح مستنزف، وقد لا تُحسم قريبا، وهاهم الأكراد بأعداد أكبر وتسليح وتجنيد واسع وتحصن في الجبال وانتشار في أكثر من بلد (تركيا وإيران والعراق وسوريا) وتحركات دولية وتنظيمات سرية ومسلحة وتعاطف دولي، ومع ذلك لم يتمكنوا من اقتطاع مساحة لهم ليؤسسوا فيها دويلتهم وحكمهم الذاتي، وهو الأمل الذي يراودهم منذ سنوات طوال، فالحسم مرتبط أكثر بالإرادة الدولية، فهي التي تملك أدوات ضغط ودفع نحو التسوية، وحتى هذا غير مضمون الآن بعد تراجع النفوذ الغربي وبروز لاعبين إقليميين مُؤثرين في اتجاهات الأحداث ومسارها، وغالبا ما تُستخدم مثل هذه النزاعات والصراعات المستنزفة للإخضاع والابتزاز أو التحريش والوقيعة.

قراءة 114 مرات آخر تعديل في الإثنين, 08 نوفمبر 2021 16:34