الثلاثاء, 30 نوفمبر 2021 07:16

حلف مخزني – صهيوني على الحدود مع الجزائر مميز

كتب بواسطة : عبدالله كمال / صحفي ومدون

يبدو أن الأزمات المتتالية التي يغرق فيها المواطن الجزائري المغلوب على أمره، من غلاء المعيشة وأسعار البطاطا وندرة الحليب وغيرها، جعلته يغفل عن التطوّرات الجديدة المتسارعة على حدوده الغربية، والتي تمثّل خطرًا وجوديًا على بقاء الدولة، وتهديدًا عسكريًا واضحًا وصريحًا ينتظر فقط لحظة الصفر من أجل بدأ معركة التخريب، والتي قد يجادل البعض بأنها قد بدأت بالفعل مع مقتل التجّار الجزائريين الثلاث في المنطقة الحدودية في أول نوفمبر الماضي.

أتذّكر في سنة 2019 حين كان التهديد العسكري الأكبر للجزائر يتمثّل في كتائب حفتر المتكوّنة من مئات الهُواة عديمي الخبرة والتدريب، ليت تلك الأيّام السعيدة تعود يومًا، فإذا ما قارنّاها بالتهديد الصهيوني الواضح والصريح، والذي يقترب من إعلان الحرب الواضحة، فإننا ندرك بأن الجزائر أمام التحدّي الأمني والعسكري والإستراتيجي هو الأكبر من نوعه ربما منذ الاستقلال.

بادئ ذي بدء ينبغي أن نفهم معنى الاتفاقية الأمنية والتحالف الإستراتيجي بين المخزن المغربي وإسرائيل؛ إذ إن مفهوم "التطبيع" يختلف من دولة إلى أخرى وليس بنفس المستويات والدرجات. وأبرز مثال هو أنموذج التطبيع المصري الذي جاء في سياق حرب 1973 وقبلها حرب 1967، إذ بين المصريين والإسرائيليين دماء وحروب، وحتى حين وقّع النظام اتفاقية كامب دايفيد التي استرجع بموجبها أراضي سيناء، فإن مصر لم تتّجه للتطبيع الشامل في المجالات الاقتصادية والثقافية والسياسية، إذ بقي التطبيع حكرًا على المسؤولين السياسيين والقيادات العليا في الدولة، بالإضافة إلى زيارات بعض السيّاح ومشاريع اقتصادية إسرائيلية محدودة في الداخل المصري، التزامًا بما تُمليه اتفاقية السلام. وتُقابل الشخصيات العامة التي تتّجه إلى التطبيع، من ممثلين وفنّانين، برفض وشجب شعبي واسع وحتى تضييق حكومي غير مباشر مثلما حدث مع الممثل محمد رمضان.

لكن أنموذج التطبيع المغربي مختلف عن سابقه، إذ يمثّل تغييرًا في الدفة الإستراتيجية المغربية، ودخولاً تامًا إلى الحلف الصهيوني. وهذا التحالف ليس مجرّد ربط علاقات بين "دولتيْن" فحسب، إذ إن "إسرائيل" هي أكثر من مجرّد كيان سياسي، بل "لوبي" عالمي له امتداداته ونفوذه في الكونجرس الأمريكي والبيت الأبيض وفرنسا وأوروبا بصفة عامة، ناهيك عن العلاقات الإسرائيلية العميقة في روسيا والصين، والتي لا تحظى بالاهتمام الكافي.

لم يتجرأ المخزن المغربي على إقامة علاقات شكلية فحسب، بل قام بدسترة "التراث اليهودي" في دستوره، كما قام بتعديلات على المناهج التربوية لإدماج هذا التراث، وراح يُفاخر بأعداد اليهود من أصل مغربي في داخل "إسرائيل" وحتى داخل الحكومة الإسرائيلية، ليؤكد أن هذا التحالف بينه وبين الكيان الإسرائيلي، ليس مجرّد نزوة عابرة، بل هو عميق ومتجذّر واستراتيجي وله أبعاد تاريخية وحتّى هوياتية.

نفض المغرب يده من المشاريع الوطنية التي راجت خلال النصف الأول من القرن الماضي، مشروع التحرّر المغاربي أو القومي العربي أو جامعة الدول العربية أو القضية الفلسطينية، واتّجه رأسًا إلى الدخول في حلف متجذّر مع الصهاينة، بحيث يصبح قاعدة إستراتيجية لإسرائيل في شمال إفريقيا، تنطلق منه عملياته الاستخباراتية والعسكرية مستقبلاً للسيطرة على الشمال الإفريقي، بالإضافة إلى البعد الاقتصادي الذي سيظهر شيئًا فشيئًا مع توسّع المشاريع الاقتصادية الإسرائيلية في إقليم الصحراء الغربية ثم إلى غرب إفريقيا والقارّة السمراء بصورة عامة، أين تجري حرب تجارية باردة بين العديد من الأطراف (الأتراك، الفرنسيون، الإسرائيليون، الإيرانيون، الصينيون، الروس).

في المنظور المغربي، وحسب وصف المؤرّخ عبد الله العروي، فإن المغرب يرى نفسه عبارة عن جزيرة معزولة، الجزائر بمساحتها الضخمة وتاريخها وبترولها يحاصره شرقًا، والبوليساريو الذي أذاقه الويلات في السبعينيات والثمانينيات غربًا، وإسبانيا العدو التاريخي شمالاً، وبالتالي فلم يبق له -في المنطق المخزني- أية خيارات إستراتيجية سوى الارتماء في الحلف الأمريكي الإسرائيلي من أجل الحفاظ على عرشه الملكي.

ثم إن المخزن يرى أن المنطقة تمرَ بلحظة تاريخية فارقة لا ينبغي التفريط فيها أبدًا وقد لا تتكرّر، وهي أن الجزائر عموما، والجيش بصفة خاصة، تعرف حالة من الضعف والتفكّك والاهتراء الشديد، خصوصًا في ظلّ صراع الأجنحة والإقالات والاعتقالات والوفيات الغريبة على مستوى القيادة العليا للجيش، بالإضافة إلى مشاكل شيخوخة القيادة العسكرية والغليان الاجتماعي؛ وهو ما يخوّله -حسب المنطق المخزني- لإحكام الخناق على الجزائر من خلال الحليف الصهيوني الجديد. كما يعتقد (المخزن) أن امتلاكه لتكنولوجيا الطائرات المسيرّة (درونز) والتفوّق الذي حصلت عليه بفضل صفقة "بيرقدار" مع تركيا، مكَنه من تحييد عديد من قيادات جبهة "البوليساريو"، وسمح له بالسيطرة العسكرية الكبيرة على إقليم الصحراء الممتد من شأنه أن يكسبها ميزة إستراتيجية إضافية ضد الجزائر.

بالإضافة إلى هذا، فإن هناك اختراقا واضحا وصريحا لبعض الأصوات المحسوبة على الحراك من معارضة الخارج، التي استخدمت منابرها بصفة ممنهجة لتسفيه القضية الصحراوية ودعم الجزائر لها، بالإضافة إلى تجميل سلوك النظام المخزني ولو بصورة مبطّنة؛ وبغضّ النظر إن كان هذا التوجّه مدروسًا ونابعًا من عمليات شراء ذمم وتجنيد مخابراتي أم مجرّد غباء سياسي، فإنه بلا أدنى شك شوّه الحراك بصورة فضيعة، وكاد يجعل منه أداة سياسية في يد المخزن وإسرائيل من خلال صناعة رأي عام داخل الحراك داعم لهذه التوجّهات ذات السمت المخزني.

ما الخيارات الإستراتيجية التي تملكها الجزائر لمواجهة الحلف الجديد مخزني - الصهيوني؟ وفي ظلّ التحالف الإسرائيلي الجديد مع المخزن، والعلاقات المغربية القوية مع الولايات المتحدة بحكم أن المغرب يشتري كل سلاحه من واشنطن، بالإضافة إلى دعم "اللوبيات" الصهيونية، فإن الجزائر ستجد نفسها مضطرّة لتعزيز تحالفاتها التقليدية بصورة أكبر مع روسيا والصين؛ لكن قد يدخل حليف جديد إلى ساحة شمال إفريقيا يملك خبرة كبيرة في الحروب غير النظامية وتكتيك حرب العصابات، وله باع طويل الصراع مع إسرائيل، وهو إيران. وهذه التحالفات الدولية من شأنها أن تحوّل المنطقة إلى ساحة للصراع العالمي بين أطراف عديدة تمامًا مثلما هو الحال في سوريا.

هل يملك المسؤولون الجزائريون نظرة إستراتيجية حول التهديد الجديد التي تشهده الجزائر، خصوصًا في ظلّ الجغرافيا السياسية التي تفرض على الجزائر الوجود العسكري على الحدود الشرقية والغربية والجنوبية، مما يستنزف القدرات المادية والبشرية للجيش؛ عكس المغرب؟ وهل سيتحمّل صانع القرار الجزائري مسؤولية أي إخفاق في الميدان الأمني والاستخباراتي في ظلّ تسخير كل هذه الإمكانيات لمطاردة ناشطي الحراك أو المضاربين بدلا من تركيز الاهتمام ضد التهديد المخزني الصهيوني الجديد؟؛ وهل حان الوقت لإحداث إصلاحات عميقة داخل النظام بشقّيه السياسي والعسكري والتخلّص من القيادات الهرمة وبث ديناميكية جديدة في مؤسساته من أجل مواجهة هذه الأخطار المحدقة بالجزائر؟

قراءة 129 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 30 نوفمبر 2021 09:42