الخميس, 23 ديسمبر 2021 09:41

فوز اليسار في تشيلي...دروس من العملية الانتقالية في أمريكا اللاتينية مميز

كتب بواسطة :

انتخاب الزعيم الطلابي السابق من اليسار المتطرف، غابرييل بوريك (36 سنة)، لرئاسة تشيلي في نهاية تصويت تميز بمشاركة قوية، هو قبل كل شيء رفض لنموذج اقتصادي نيوليبرالي غير مقيد. وبهذا طوت تشيلي صفحة في تاريخها يوم 19 ديسمبر بانتخاب "غابرييل بوريك" بأغلبية كبيرة لم يتوقعها المرشح اليميني المتطرف "خوسيه أنطونيو كاست" في الجولة الأولى. وأظهر "غابرييل بوريك"، الذي تنحدر عائلته من أصول كرواتية، قدرته على الجمع بين مختلف مكونات التشيلي على وعد بأن تكون بلاده "قبر" السياسات النيوليبرالية، وقد يغذي فوزه آمال انتعاش اليسار في أمريكا الجنوبية.

"ولدت النيوليبرالية في تشيلي، وستموت أيضاً في تشيلي"، عبارة كُتبت على إحدى لافتات التظاهر في تشيلي خلال التحرّكات التي شهدها عام 2019 ضدّ حكومة الرئيس السابق، سيباستيان بينيرا، اليمينية. لتدخُل تشيلي بعد سنتين من ذلك، مع تفويض اليساري، غابريال بوريك، تولّي منصب الرئاسة، حقبة جديدة في تاريخها الحديث.

ما إن يدخل اليسار إلى الحكم حتى يخرج منه ليعود إليه مرة أخرى. إنها عملية كر وفر تشهدها دول القارة، يحكمها عاملان رئيسيان: العامل الأول، مدى قدرة هذه القوى على الاستفادة من المناخ الداخلي. والعامل الثاني، مدى تراجع تأثير واشنطن على هذا الداخل. وخلاصة القول، إن اليسار اللاتيني يتعثر، ثم يستعيد قواه، لينهض مجددا، لكنه لا ينسحب.

وما يمكن أن نستفيد منه في مسارنا التغييري الطويل والمتعرج هو تحولات العملية الانتقالية في تشيلي، وأمريكا اللاتينية عموما، ونجملها في هذه المختصرات:

- جاءت معظم التحولات من الحكم الاستبدادي إلى الديمقراطية عبر عمليات واسعة ومتلاحقة، ولم تحدث دفعة واحدة.

- وقد سبق هذه التحولات، على الدوام، مهاد أو حقب طويلة قبل أوان اللحظة التي يتهاوى فيها النظام الاستبدادي. وغالبا ما كانت الخط وات الأولى نحو التحول تتسم بالهدوء، سواء كان منبعها من المعارضة السياسية أو من داخل المجتمع الاستبدادي نفسه.

- وهذه الخطوات السابقة لمرحلة التحول والانتقال قد عملت على المساعدة في إقامة أو تعميق العلاقات الشخصية وتعزيز الثقة بين قوى المعارضة المتباينة. وفي بعض الحالات، كانت تعمل أيضا على تحسين الاتصالات وتطوير التفاهمات المتبادلة بين الشخصيات من داخل النظام الاستبدادي وقادة المعارضة.

- وغالبا ما تسير التحولات بسرعات متفاوتة، وغالبا ما تأخذ منحى متعرجا، وقد تكون للأحداث غير المتوقعة آثار كبيرة في مسارها.

- استهلكت معظم هذه التحولات كثيرا من الوقت للوصول إلى مرحلة النضج واكتساب الطابع المؤسسي. وفي بعض البلدان مثل البرازيل وشيلي والفلبين وبولندا وجنوب إفريقيا وإسبانيا، فقد تطلب الأمر سنوات عديدة من ضغط حركات المعارضة لإنهاء الحكم الاس تبدادي فيها. وقد تطلب ذلك المرور بمراحل متعددة لم تخلُ في بعض الأوقات من الانتكاسات.

- في بعض الحالات، استجابت الأنظمة أساسا للضغوط بفعل الحشود والتعبئ ة الاجتماعية المنبثقة من الأسفل إلى الأعلى، كما حدث في كل من بولندا وإندونيسيا وشيلي والفلبين وجنوب إفريقيا. كما انبثقت تحولات عديدة جرَاء المفاوضات السرية أو العلنية بين أطراف في النظام القائم والمعارضة، كما حصل ذلك بطرق مختلفة في كل من إسبانيا والبرازيل وجنوب إفريقيا وشيلي والمكسيك وبولندا.

- وقد جاءت كل هذه التحولات بفعل القوى والعمليات الداخلية، لكنها تأثرت أيضا، بطرق مختلفة، من خلال سياق دولي واسع وجهات خارجية فاعلة بصفة.

- ومع ذلك، فإن أيّا من هذه العوامل الهيكلية والتاريخية والسياقية لم تكن بذاتها أو بمفردها قادرة على تحديد متى وكيف انتهت تلك الأنظمة الاستبدادية، كما لا يمكن القول إن ثمة مقاسا واحدا يناسب الجميع، أو إن هناك كراسة إرشادية بسيطة تحتوي على كامل "الممارسات المُثلى" لتلك التحولات الحاصلة، ولكن يمكننا أن نتعلم كثيرا من القادة الذين حققوا تلك التحولات، وتعاملهم مع القضايا الرئيسية التي كانت تواجههم في جميع الحالات تقريبا...

- قوى التغيير التي تسعى لإنهاء النظام الاستبدادي، عادة ما تحتاج إلى ما يكفي من الإسناد الشعبي الواسع والتماسك والشرعية وغيرها من الموارد لتحدي قدرة النظام على الحكم، وفي بعض الحالات، فإن على قادتها أن يكونوا محاورين أقوياء مع أولئك القابعين داخل النظام الاستبدادي الذين أدركوا أن النظام في حاجة إلى محاور لتسهيل وضع إستراتيجية إنقاذ ممكنة.

- كما أن عملية إقناع قوى المعارضة المختلفة للعمل على تسوية الاختلافات فيما بينها من أجل مواجهة نظام استبدادي، لم تكن مسألة سهلة على الإطلاق، ثم إن بناء تحالف واسع النطاق قادر على تحدي النظام الاستبدادي، مع الالتزام بالقيم الديمقراطية، غالبا ما يتطلب العمل بجد للتغلب على الانقسامات داخل المعارضة، والعمل في الوقت ذاته على استيعاب وفهم الانقسامات داخل صفوف النظام نفسه، سواء كانت واضحة أم كامنة. والسبيل إلى توحيد صفوف المعارضة ومعرفة انقسامات النظام وإمكان الاستفادة منها، هما في صميم تحولات عديدة في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية.

- الإستراتيجية الأساسية لبعض تجارب الانتقال السياسي لا تتمثل في الإطاحة بالحكم، ولكن بحمله على البحث من أجل التوصل إلى مخرج من المأزق السياسي الذي أغرق البلد فيه.

قراءة 128 مرات آخر تعديل في الخميس, 23 ديسمبر 2021 10:09