السبت, 25 ديسمبر 2021 18:43

"الحرب الكونية" والليرة التركية مميز

كتب بواسطة : وائل عصام / كاتب مقيم في تركيا

ارتفعت قيمة الليرة التركية مباشرة عقب إعلان الرئيس التركي إجراءات وآليات جديدة لضمان ودائع الليرة التركية وحمايتها من تقلب سعر الصرف مقابل الدولار، وحسب الأنباء فإن البنك المركزي التركي باع بشكل غير مباشر، ومن خلال مصارف تركية أخرى، نحو 7 مليارات دولار على مدى يومين، ما أدى لرفع قيمة الليرة من 18 إلى 13 مقابل الدولار الأمريكي.

بداية؛ اكتشف المؤمنون بنظريات التآمر الغربي أن مشكلة الليرة التركية داخلية ولا تتعلق بأي خرافات عن خطط لضرب الاقتصاد التركي، بل إن أكبر المقرضين لتركيا هي البنوك الغربية، فها هي الليرة ترتفع وتعوض معظم خسائرها في يوم واحد نتيجة إعلان من الرئيس أردوغان عن آليات محددة، وبعد تدخل البنك المركزي، وهكذا كانت الليرة تنخفض أيضا في المناسبات السابقة، عندما كان أردوغان يعلن عن تخفيض الفائدة فتهوي الليرة، أو عندما كان يعلن طرد مسؤولين ماليين مثل، محافظ البنك المركزي، أو مساعديه، أو يقيل وزير المالية، وكلها أسباب مباشرة واضحة تفسر انخفاض أو ارتفاع الليرة السريع، ويفترض أن لا يشك أحد في أن المسألة تتعلق بإخفاق في السياسات المالية الداخلية، عندما يرى أن أردوغان يقيل خمسة مسؤولين ماليين من الطاقم الذي عينه هو خلال شهور قليلة، وهم مسؤولو البنك المركزي من محافظين ونواب ووزير المالية، إضافة لتصريحات علي باباجان أحد بناة الاقتصاد التركي، الذي دائما ما ينتقد سياسات قائد حزبه السابق.

ولعل "باباجان" (وزير الاقتصاد التركي السابق) كان أكثر من وضح كيف أن الأزمة داخلية قائلا: "الأزمة التي نمر بها اليوم هي أزمة محلية بحتة، ولا علاقة لقوى خارجية بها، في العامين الماضيين فقط، غيَر أردوغان 3 وزراء المالية و4 رؤساء للبنك المركزي و4 نواب لمحافظي البنك المركزي، و2 من مديري بورصة إسطنبول و2 من رؤساء معهد الإحصاء التركي، هل هذا يمكن أن يحدث في أي بلد؟".

رغم كل هذه الحقائق الدامغة يبقى التشبث بتفسيرات واهية مؤدلجة، واعتمادا على تصريحات مسيسة، وهي من مشاكل الحكومة الحالية ضعف الشفافية والمصداقية في التصريحات أو البيانات المنشورة، ما أدى لانخفاض ترتيب تركيا في بيانات الشفافية العالمية، ولعل التصريحات الأخيرة للبنك المركزي التركي آخر مثال، فالبنك نفى أنه باع أيا من احتياطاته المركزية لدعم قرار الرئيس أردوغان، ورفع الليرة، وأصرت وسائل الإعلام الحكومية على القول، إن سبب ارتفاع الليرة هو "إقبال المواطنين على بيع الدولار"، لكن ثلاث وكالات دولية متخصصة كشفت أن سبب ارتفاع الليرة هو بيع البنك المركزي نحو 7 مليارات دولار بشكل غير مباشر، من خلال مصارف محلية، كل هذه المعلومات، حصلت عليها صحيفة "فايننشال تايمز" المتخصصة من مسؤول سابق في البنك المركزي التركي اسمه أوغور غورسيي، نشر جدولا مفصلا لعمليات البيع التي نفذها البنك المركزي، واعتمد على مؤسسة تركية مصرفية متخصصة بالتداولات، كما أكد مصرفيون أتراك، أنهم "بذلوا جهودا منسقة لجعل إعلان أردوغان يبدو جيدا".

كما حذرت الصحيفة في تقريرها من خطورة المقترح والآلية الجديدة التي تضمن ودائع الليرة من خلال تعويض المودعين فرق صرف العملة عن الدولار، وإن هذا قد يؤدي لاضطرار الحكومة التركية لطبع العملة وزيادة التضخم بالتالي، كما أن هذه الآلية ستعني أن المودع يمكنه أخذ ربح فائدة 14% على وديعة مقيّمة بالدولار، وهي تعني الحصول على أعلى نسبة فائدة على الدولار في أي بنك في العالم.

إذن، تبين أن ارتفاع الليرة أمر يهم الحكومة وليس خفضها، كما كرر مناصروها كلما هبطت الليرة، حيث كثيرا ما قالوا إن الحكومة تهدف لذلك في سبيل خطة لخفض أجور اليد العاملة على المستثمرين وجذب استثمارات خارجية على الطريقة الصينية، فإذا كانت الحكومة لا يهمها انخفاض قيمة الليرة، فلماذا إذن يتدخل البنك المركزي كلما انخفضت الليرة ويبيع مليارات الدولارات لوقف انخفاضها؟ كما أن الرواية التي تكررت حول أن الهدف من خطط أردوغان هو تقليل الودائع بالليرة، وتوجيهها للاستثمار، ثبت بطلانها بل عكسها، عندما صمم الرئيس التركي آليته الجديدة على تحفيز الإيداع بالليرة، وبفائدة مضمونة بسعر الدولار أيضا بهدف تدعيم قيمة الليرة وحمايتها من الانخفاض..

المشكلة أن الجمهور في مجتمعاتنا يروق له رسم تصورات مؤدلجة لتفسير أي حدث من حولنا، يؤشر إلى إخفاق وفشل، وهذا ما حدث مع قطاع عربي واسع متعاطف مع حكومة الرئيس التركي أردوغان، وتدور هذه التصورات معظمها حول وجود مؤامرات وخطط مرسومة من الغربيين ضد العالم الإسلامي، جزء من شيوع هذه النظرة هو العجز عن تفسير الظواهر وتقديم حلول لها، وجزء آخر يتجنب مواجهة الإخفاق ويريد التخلص من المسؤولية فيحيله للشماعات الجاهزة، من دون أن يتنبه لحقيقة أن أردوغان نفسه يعلن في كل مرة أن هدف بلاده الإستراتيجي هو الانضمام للاتحاد الأوروبي، وأن النهضة الاقتصادية التي تحققت يعود جزء منها للمبالغ المالية الهائلة التي اقترضتها تركيا من بنوك أوروبا، والتي تتجاوز 400 مليار دولار، وسوء إدارة خطط التسديد لهذه الديون وفوائدها باتت أهم المشاكل الضاغطة على الاقتصاد التركي.

قراءة 145 مرات