الأربعاء, 29 ديسمبر 2021 20:38

بعيدا عن تقرير البنك العالمي..."اقتصادنا" مرتهن ببرميل النفط مميز

كتب بواسطة :

بعيدا عن تقرير البنك العالمي وجدل الانحياز والتسييس، وهذه مؤسسات وظيفية وليست جمعيات خيرية أو حماية المستهلك أو معنية بنهوض بلدان الجنوب، وإن كانت قد اعتمدت على معلومات من مؤسسات ومتعاونين اقتصاديين محليين ولم تخترع واقعا من رأسها أو تزيف الحقائق، مع قدر من المبالغة في تقدير المآلات، لكنها ليست بالنفس التآمري الذي تسوق له تقارير إعلامية رسمية بمنطق الهوس التضليلي والتصلب الحجري، فإنه لا يمكن تحدَي حقائق الواقع وطمس كوارث الاعتماد شبه الكلي على البترول والغاز، فلا تملك بلادنا اقتصادا حقيقيا وإنما هو برميل النفط الذي يصنع يومنا وغدنا.

كان الإنفاق الحكومي المتزايد هو المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي خلال السنوات الماضية، واقترن هذا بارتفاع كبير في أسعار البترول وحجم استهلاك الطاقة، فالبلد مرتهن، اقتصاديا، في معظمه، بعوائد النفط، التي تمثل أكثر من 90% من دخل الحكومة. وما ذكره تقرير البنك العالمي في مقدمته من أن الجزائر "تتمتع براحة مؤقتة مع ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى مستويات عالية جديدة وتراجع ضغط جائحة كوفيد -19. تساعد الزيادة الكبيرة في عائدات تصدير المواد الهيدروكربونية على تقليل احتياجات التمويل الخارجي بشكل كبير، وتحقيق الاستقرار في احتياجات التمويل المحلية المتزايدة على المدى القصير"، فإنه تقدير مؤقت ومرتبط كليا بتقلبات أسعار النفط ولا علاقة له بالإصلاحات الاقتصادية ولا بتنويع الدخل، ولا يعكس أي تحسن في الأداء الاقتصادي ولا بتصحيح السياسات الكارثية.

وما يزيد من صعوبة الوضع الاقتصادي والاجتماعي الحاليَ هو دخول الملايين لسوق العمل خلال العشر سنوات القادمة، ولن تستطيع الحكومة أن توفر لهم وظائف في القطاع الحكومي المتضخم أصلا، كما أن القطاع الخاص يعتمد في نموه على نمو الإنفاق الحكومي، وبالتالي فإنه لن يكون قادرا على توفير ما يكفي من الوظائف لاستيعاب كل تلك الملايين من المواطنين في ظل الخفض المتوقع للإنفاق الحكومي مع استمرار تقلبات أسعار النفط وسقف الإنتاج المحدود. وفشل النظام خلال العقدين الماضيين في تنويع مصادر دخل الحكومة، وأوقف العمل بالإصلاح الهيكلي الاقتصادي في العهدة الثانية للرئيس المخلوع الراحل، بوتفليقة، ليعتمد كليا على العوائد المرتفعة للنفط، آنذاك، كما فشل في تنويع مصادر الدخل للاقتصاد بشكل عام، فالنفط هو المحرك الرئيسي لكل الاقتصاد، كما أنه يمثل أكثر من 90% من الصادرات.

وهذه التشوهات الاقتصادية (التي تراكمت على مرّ عقود)، ممَا ذُكر وما لم يُذكر، جعل اقتصاد البلد هشّا ومعرضا للهزات عند أي انخفاض في أسعار النفط، مع استهلاك للموارد يتضخم يوما بعد يوم من دون أن ينجح الاقتصاد في زيادة حجم الكعكة، بل إن الكعكة أصبحت أصغر مع انخفاض أسعار النفط، وعدد من يتقاسمها أصبح أكبر بكثير.

ولا خيار أمام بلادنا إلا البدء في رحلة التحول لاقتصاد منتج، اقتصاد يوثر ثروته بأيدي مواطنيه وليس بمقايضة نفط يستخرج من تحت الأرض لشراء سلع العالم. اقتصاد منتج يوفر قدرا من الحياة الكريمة مهما كان مصير ومستقبل أسعار النفط، وهذا ما تعجز عنه هذه السلطة كما عجزة التي قبلها، لأن القضية في أساسها سياسي، وهو يتنكر له النظام ويرفض أن يفتح على الحقائق، ولا يحتاج لتقرير البنك العالمي ليؤكد الحقائق المرة، فما يعيشه الشعب المسحوق أكبر وأصدق أنباء من أي تقرير اقتصادي، وأولى خطوات رحلة التحول لاقتصاد منتج هي إزالة التشوهات الاقتصادية الموجودة حاليا لتمهد البيئة الملائمة لبناء اقتصاد مُنتج، وقادر على النمو الصحّي المستدام، وعملية التخلص من تلك التشوهات يلزمها أناس من أهل الكفاءة والإرادة وهذا غائب تماما اليوم عن السلطة الفعلية.

ومن حق عموم الناس، بل يجب، أن يعرفوا أن الاقتصاد ليس بخير، والأوضاع تسوء، وأن الإصلاح الاقتصادي إن لم يبدإ اليوم، فإن غدا سيكون متأخرا جدا، وستكون كلفته الإصلاح أعلى، والألم أكبر، ومن حقهم أن يعرفوا أيضا، وأكثرهم مُدرك لهذا، أن السلطة أعجز من أن تواجه التحديات، لأن انغلاقها وتصلبها وفسادها وافتقادها للشرعية أساس البلاء.

وكل التحولات الكبرى المهمة في حياة المجتمعات استندت إلى المشاركة الشعبية في القرار السياسي والاقتصادي، هي صمام الأمان وبداية البدايات. فعندما يشعر فرد من الشعب أنه مشارك في القرارات التي تؤثر في مستقبله وأن صوته مسموع وأنه قادر على التأثير والتغيير، فإن ذلك كفيل بأن يجعله مقتنعا أنه جزء حقيقي من أي عملية إصلاحية اقتصادية، ولن يتردد في تقبل هذه الإصلاحات بل سيكون على الأرجح طرفا فعالا في تبني تلك الإصلاحات ونشر الوعي بأهميتها، حتى وإن تجرع بعض المرارة في تحمل عبئها، ومن يهمل المخاطر والتهديدات ويصم آذانه ويرمي باللائمة على غيره، عُتوَا واستعلاء وتنكرا، وقد استبد به الموس التآمري، فليستعد لعصور مظلمة من التخبط والفوضى والتيه.

قراءة 111 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 29 ديسمبر 2021 20:59