الإثنين, 10 جانفي 2022 20:03

حتى لا تنفجر الأوضاع في وجوههم مميز

كتب بواسطة :

حينما انفجرت الثورة الفرنسية لم يدرك ملك فرنسا ولا رجال الكنيسة عمق التحول التاريخي الذي تمر به فرنسا، سواء من حيث الشرارة الفكرية والوعي الثوري أو البركان الاجتماعي..وهكذا، يأتي استيعاب حركة المجتمع، دائما وفي كل الثورات وإلى يومنا هذا، متأخرا، وهذا بسبب تضخم الدولة على حساب المجتمع وتصلب السلطة وانغلاقها، ولأن الحكام وبطانتهم غارقون في الجهالة، وقراءتهم للغليان والبركان الاجتماعي سطحية، وربما يعتبرونه سحابة صيف عابرة، يتمادون في صدَ حركة المجتمع بثورة مضادة، وهو ما ينتهي بانفجار الوضع، عاجلا أم آجلا، في وجوههم.

وقد كان عالم الاجتماع الفرنسي الدارس لنفسية الجماهير، غوستاف لوبون، مُوفقا بملاحظته القيمة: "...فيجب في عالم السياسة كشف عواقب الأمور، ومنع المطالب طوعا قبل أن يحل الوقت الذي تُمنح فيه كرها"، فتأخير التغيير السياسي عن وقته وعدم إدراك عمق الموجة التاريخية الشعبية يُكلَف أثمانا باهظة، والثورة المضادة لاستعادة النظام القديم ومخادعة الجماهير بالتظاهر بموافقة مطالبها إنما تغتال الفرص السانحة لنهضة البلاد وتحرر الشعب من قبضة التسلط والقهر، وتضيع فرصة الانتقال السياسي الهادئ والمرن من الحكم المغلق إلى السلطة المدنية السياسي المنتخبة المفتوحة، فالأهم، هنا، هو تحرير الشعب وتمكينه من الاختيار الحر لا حكمه، وصولا إلى "الدولة المنسجمة" التي تتوافق فيها إرادة الحاكم وإرادة المحكوم.

ورياح التاريخ العاتية التي تتحرك ضد الأنظمة المتصلبة المنغلقة أضعفتها وجعلت بأسها بينها شديدا ونفَرت كثيرا ممن ترعرعوا في صلبها وهجروها وتركوها في عزلة داخلية، والقضية التغييرية تتطلب نفسا طويلا وحكمة وعقولا راجحة وحذر، لأن الصراع أكثر تعقيدا وتشعبا مما نظن ونتوقع، ويبقى ألدَ أعداء الحركة التغييرية السلمية هو ثقافة اليأس وحالة الإحباط وتمكنها من الأنفس وضعف الأمل في المستقبل والسلبية المقيتة.

وعبرة التاريخ تدل على أن حركات التغيير الحقيقية النابعة من وجدان الناس وأعماق المجتمعات قد تنحني وتتعثر لكنها لا تتبدد ولا تنكسر، فالتغيير ليس مجرد هبة شعبية عابرة، ولكنه نقل هادئ ومتدرج للحكم والسلطة من يد الأقلية المتغلبة إلى يد الشعب التواق للحرية بتمكينه من الاختيار الحر وإقامة نظام سياسي مرن ومفتوح منبثق من الإرادة الشعبية.

قراءة 200 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 12 جانفي 2022 19:38