الأحد, 20 مارس 2022 06:16

تحول الموقف الإسباني من الصحراء الغربية...ضغوط أمريكية أم خلافات داخل الائتلاف الحاكم في مدريد؟ مميز

كتب بواسطة :

لم تنته الحكومة الإسبانية اليسارية بعدُ من إنهاء الصراع مع المغرب حتى فتحت للتو نزاعا آخر مع الجزائر، التي تزود إسبانيا بما يقرب من نصف الغاز الذي تستهلكه، وترى فيها إسبانيا شريكا لا غنى عنه مثل المغرب.. وقد استدعت الجزائر، أمس السبت، سفيرها في مدريد، مصدومة من "التحول الحاد" للسلطات الإسبانية في نزاع الصحراء الغربية.

ويأتي هذا القرار بعد يوم من إصدار القصر الملكي المغربي للرسالة التي قال فيها رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، إن مشروع الحكم الذاتي المغربي للصحراء الغربية هو "الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لحل الخلاف". ورأت دوائر مقربة من الحكم أن قرار الحكومة الإسبانية بدعم أطروحات المغرب هو "خيانة تاريخية ثانية من قبل مدريد تجاه الشعب الصحراوي بعد اتفاق 1975 الكارثي".

مدَت مدريد يدها للنظام الجزائري عندما كان مُحاصرا بالحراك الشعبي، وعندما دعت السلطات إلى إجراء انتخابات رئاسية قاطعها غالبية الجزائريين، كان وزير الداخلية الأسباني، فرناندو غراندي مارلاسكا، أول مسؤول غربي كبير يزور الجزائر، في 28 نوفمبر من العام 2019، قبل أسبوعين فقط من الانتخابات. وقال إن "الوضع في الجزائر" أمر داخلي وإن إسبانيا تدعم العملية الانتخابية، وأشادت، حينها، وكالة الأنباء الجزائرية بهذا الدعم.

بعد ذلك بعامين، في خضم أزمة دبلوماسية مع المغرب، رحبت الحكومة الإسبانية بزعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، في مستشفى في لوغرونيو. تعرف إسبانيا أن الجزائر هي الحليف الرئيسي والحامي لجبهة البوليساريو، التي تدعو إلى استفتاء تقرير المصير للسكان الصحراويين. كانت إسبانيا تدرك أن هذه المبادرة تثير غضب المخزن المغربي، لكنها رأت ضرورة إرضاء الجزائر.

تزود الجزائر ما يقرب من نصف الغاز الذي يستهلكه الإسبان: يصل 37٪ من الغاز عبر خط أنابيب الغاز Medgaz إلى ساحل ألميريا، و5.5٪ عبر ناقلات الميثان، وفقا للأرقام الصادرة عن مؤسسة الاحتياطيات الإستراتيجية للمنتجات البترولية. مع اقتراب تداول الوقود هذا من المستويات المرتفعة التاريخية وفي إحدى لحظات التوتر الأكبر في إمدادات الطاقة منذ عقود، تبدو الصورة معقدة. الجزائر بالنسبة لإسبانيا مثلما تمثله روسيا بالنسبة لألمانيا: مورد غاز يكاد يكون من الصعب للغاية استبداله.

كما تعتمد إسبانيا على السلطة في الجزائر للسيطرة على الهجرة السرية التي تصل إلى سواحل شبه الجزيرة الجنوبية. يدرك كبار الدبلوماسيين في وزارة الخارجية الإسبانية حجم الغضب الجزائري من هذا التحول، ومع ذلك قرر رئيس الحكومة، بيدرو سانشيز، قلب الميزان لمصلحة المخزن المغربي، الذي واجه أزمة مع مدريد بسبب الصحراء الغربية استمرت عشرة أشهر. إذ بعثت الحكومة برسالة إلى الملك محمد السادس ذكرت فيها أن الاقتراح المقدم في المغرب في عام 2007 أمام الأمم المتحدة لمنح الحكم الذاتي للصحراء -بدلاً من استفتاء تقرير المصير- كان "أكثر الأسس جدية وواقعية ومصداقية لحل قضية النزاع".

في المغرب، اتصل عديد من كبار المسؤولين المغاربة بحماس بأصدقائهم الإسبان للتعبير عن فرحتهم. لم تكن إسبانيا قد انتهت بعد من إنهاء الأزمة مع المغرب، فالسفيرة المغربية في مدريد لا تزال مستدعية إلى الرباط منذ مايو 2021، حتى فتحت جبهة صراع أخرى في المنطقة نفسها. وتأتي هذه الأزمة في أسوأ لحظة بالنسبة للحكومة الإسبانية اليسارية الغارقة في مستنقع من المشاكل المرتبطة إلى حد كبير بحرب بوتين على أوكرانيا: سجلات أسعار الوقود، والانقسامات مع الشركاء الحكوميين بسبب الزيادة في الإنفاق الدفاعي، والآن، الصحراء الغربية.

ماذا ستفعل الجزائر الآن؟ في الغالب، لا يتم إغلاق ملف الأزمات بسهولة، والجزائر ليست قادرة على تحمل تخفيض كبير في ضخ الغاز الذي ترسله إلى إسبانيا، فالنظام بحاجة إلى هذا المال، وما يمكن أن تفعله هو تخفيف مراقبة الهجرة غير الشرعية ردا على قرار الحكومة الإسبانية. ولكن في مدريد، لا تلقى، في الغالب، الإجراءات التي تتخذها السلطات لمحاربة الهجرة السرية صدى كبيرا.

على الجانب الإسباني، تشير مصادر من قطاع الطاقة إلى الاتجاه نفسه: لا تستطيع الجزائر الاستغناء عن المبيعات لإسبانيا، على الأقل في المدى القصير. مع دخول السوق في مرحلة توتر شديد، لن يكون هناك نقص الإمداد بالغاز. تُعدَ العقود طويلة الأجل لتوريد الغاز وسعر بيع هذا الوقود من الأسرار المحفوظة في الصناعة، لكن لا أحد يشك في أن كسرها لا يعني خسارة الدخل للجزائر، بل سيؤدي إلى متاعب اقتصادية كبيرة لإسبانيا، وقد لا يتحمل المخاطرة بها.

وترى أوروبا أنه يمكن للجزائر أن تكون شريكا رئيسيا للاتحاد الأوروبي، وليس لإسبانيا فقط، إذا انتهى الأمر بقطع إمدادات الغاز الروسي، لكن السلطة في الجزائر "لا تريد أن ترى نفسها في وضع يحل محل روسيا، ولو جزئيا، لأن العلاقات بين البلدين كانت وثيقة جدا منذ عهد الاتحاد السوفيتي"، كما نقل أحد المطلعين، "فروسيا هي البائع الرئيسي للأسلحة إلى الجزائر، وتم تدريب العديد من العسكريين الذين يمسكون بزمام السلطة في الجزائر في الأكاديميات السوفيتية. بالإضافة إلى ذلك، كانوا هم من دربوا آلاف المهندسين الجزائريين في قطاع النفط ".

لكن يبقى السؤال المُلحَ مطروحا: هل تحول الموقف الإسباني الحكومي من قضية الصحراء الغربية جاء بعد رفض الجزائر إعادة ضخ الغاز إلى إسبانيا عبر الأنبوب الذي يعبر المغرب رغم الضغوط الأمريكية والأوروبية، أم يعكس خلافات داخل الائتلاف الحاكم في إسبانيا؟ باختصار، يحتاج كلا البلدين إلى بعضهما بعضا في مجال الطاقة. والانفصال التام، الذي لا يمكن تصوره على الإطلاق اليوم، سيكون له عواقب كبيرة وغير مرغوب فيه على ضفتي البحر الأبيض المتوسط.

قراءة 119 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 23 مارس 2022 18:32