الأربعاء, 13 أفريل 2022 06:19

فرنسا السياسية منقسمة ومستاءة... احتجاجات شعبية مُرتقبة وموت اليسار واليمين مميز

كتب بواسطة :

للمرة الثالثة خلال العشرين عاما، تمكن مرشح من اليمين المتطرف (مارين لوبان) من الوصول إلى جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية الفرنسية، وهو التطور الذي تسبب في كثير من القلق في الأوساط الليبرالية في جميع أنحاء أوروبا وخارجها. لا يحب الفرنسيون رؤسائهم كثيرا، وغالبا ما يطردون شاغل المنصب ويركلونه بعيدا، باستثناء اثنين فقط أُعيد انتخابهما منذ عام 1965. ومع أخذ ذلك في الاعتبار، كانت حصة إيمانويل ماكرون في التصويت يوم 10 أبريل قريبة من الانتصار، بنسبة 27.9٪، كانت أعلى نتيجة في الجولة الأولى حققها أي شاغل منصب الرئاسة منذ عام 1988، وما يقرب من أربع نقاط أكثر مما حصل عليه في عام 2017.

تماما كما حدث في عام 2017، سيواجه ماكرون اليمينية "مارين لوبان" في جولة الإعادة، عملت "لوبان" على تغيير عنوانها وحزبها، إذ ركزت حملتها على قضايا جذابة، مثل أسعار الطاقة بدلاً من التركيز فقط على القضايا السامة مثل الهجرة. بعد هزيمتها السابقة، غيرت اسم حزبها من الجبهة الوطنية، التي ورثتها عن والدها العنصري الفج، إلى التجمع الوطني الأكثر، وارتفعت حصتها في التصويت في الجولة الأولى بأقل من نقطتين، لتصل إلى 23.2٪.

وأيَا كان ما سيحدث في الجولة الثانية، فإن حقيقة أن 58٪ صوتوا في العاشر من أبريل لنهايات اليمين واليسار هي علامة على أن فرنسا منقسمة ومستاءة. وهذا من أهم ما يمكن استنتاجه من الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية لفرنسية: وفاة الأحزاب الحاكمة السابقة، إذ أكملت هذه الانتخابات الرئاسية ما أظهره انتخاب ماكرون في عام 2017: لقد تضررت الأحزاب الحاكمة السابقة (الحزب الاشتراكي والجمهوريون المحافظون) ومن الصعب تعافيها وقد يطول غيابها عن الحكم. وهكذا تبخر حزبا اليسار واليمين اللذين هيمنا على الساحة لفترة طويلة وشاركا في جميع الحكومات الفرنسية تقريبا منذ عام 1958، إذ حصل مرشحاهما على أقل من 7٪ فيما بينهم.

وبغض النظر عن الفائز في جولة الإعادة الرئاسية في فرنسا يوم 24 أبريل القادم، يُرجح مراقبون أن تواجه البلاد اضطرابات واحتجاجات في الشوارع قبل نهاية العام.في هذه الدولة السياسية جدا، يشعر كثيرون أنهم حُرموا من حملة انتخابية مناسبة، حيث أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون ترشحه قبل يوم واحد فقط من الموعد النهائي واستمر في مهامه الرئاسية حتى الأسبوع الأخير.

عقد ماكرون تجمعا واحدا فقط وامتنع عن مناقشة المرشحين الآخرين ورفض معظم المقابلات التلفزيونية قبل الاقتراع الأول. وهذا الرفض للحملة أبعده عن متناول خصومه، لكنه ترك الجمهور أيضا متعطشًا لمواجهة حقيقية للأفكار، وهو تفسير جزئي لأعلى معدل امتناع عن التصويت منذ 20 عاما.

وإذا فاز "ماكرون" بإعادة انتخابه، وهي النتيجة الأكثر ترجيحًا بعد أن قاد الجولة الأولى يوم الأحد الماضي بنسبة 27.8 في المائة من الأصوات، فالوضع الاجتماعي مُرشح للاشتعال، إذ أثار القلق من ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود شبح موجة أخرى من الاحتجاجات الشعبية، وتعهدت النقابات العمالية بمحاربة تعهده الرئيسي، الذي سيرفع سن التقاعد الرسمي من 62 إلى 65 عاما.

وفي دولة ذات تقاليد عريقة في اللجوء إلى المتاريس، يتوقع ملاحظون احتجاجات شعبية ضد رئيس يُنظر إليه غالبا على أنه متعجرف وتكنوقراطي. يمكن أن تبدأ الإضرابات من أجل زيادة الأجور وضد إصلاح نظام التقاعد بعد عطلة الصيف في أوت القادم.

وقد يواجه كلا المرشحين النهائيين صعوبة في تأمين أغلبية برلمانية متماسكة في الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في جوان المقبل. فشل حزب ماكرون، الذي أنشأه في الغالب سياسيون مبتدئون بعد فوزه عام 2017، في ترسيخ جذوره وسيحتاج إلى التعاون مع حلفاء معروفين. من ناحية أخرى، من المرجح أن يصطدم التجمع الوطني بقيادة لوبان بمجموعة من السياسيين البارزين العازمين على عرقلة اكتساح اليمين المتطرف للجمعية الوطنية. وفي هذا قال "آلان دوهاميل"، عميد المعلقين السياسيين الفرنسيين: "أيا كان الرئيس المنتخب، فلن يكون له أغلبية اجتماعية...إذ إن أكبر قوة سياسية في فرنسا اليوم هي "dégagisme" (المطالبة بالرحيل)".

وما يمكن ملاحظته أيضا أن بروز "ميلينشون" من تحت أنقاض الحزب الاشتراكي المحترق يرمز إلى انتصار الغضب الاجتماعي على "اليسار الحاكم" البراغماتي الموالي لأوروبا، والذي تمتع بزخارف المنصب، وكان أداء اليساري المثير للجدل "جان لوك ميلينشون" أفضل مما كان متوقعا، وإن كان أداء "ميلينشون" لا يجعله صانع الملوك، لأنه لن يتفاوض مع أي من المنافسين وتشير استطلاعات الرأي إلى أن ناخبيه سينقسمون بين ماكرون ولوبان أويمتنعون عن التصويت، لكنه يمكن أن يجعله محطمًا للملك إذا كان سيقود حركة احتجاجية بعد الانتخابات.

وإذا تمكن ماكرون من هزيمة لوبان في تكرار منافساتهم لعام 2017، فهناك إشارات إلى أن هامش فوزه سيكون ضيقا، والعودة إلى الإليزيه بفوز هامشي على الخصم من شأنه أن يضعف سلطته بلا شك. وكل هذا يشير إلى "جولة ثالثة" من شأنها أن تجري في الشوارع في وقت مبكر من ولاية الرئيس المقبلة.

قراءة 83 مرات آخر تعديل في الجمعة, 15 أفريل 2022 17:37