الثلاثاء, 26 أفريل 2022 04:31

مات يصارع المرض في الزنزانة...في وداع "حكيم دبازي" مميز

كتب بواسطة :

وصلنا متأخرين قليلا، وقد دُفن الحر الشهم الشريف الأصيل، حكيم دبازي، قبل يومين لم يكن أحد يعرف عنه شيئا، إلا عائلته وبعض مقربيه، وهذا الذي توفي في ظروف غامضة في زنزانته وتُرك لمصيره يصارع المرض من دون رعاية طبية، غادر دنيانا ولا يكاد يسمع بقضيته أحد.

رأيت أقاربه أمام بيته يتلمظون من الغضب، وهم يكرَرون عليّ منظر فقيدهم، حكيم دبازي، في السجن، كما وصفته زوجته في آخر زيارة لها لزوجها قبل أسبوعين أو ثلاثة، لا أظن صاحب ضمير يرضى بهذا الظلم الفاحش، انهار وزنه حتى هزل وتغير شكله، وظهر في حالة صحية سيئة جدا، ولا أحد داخل السجن تحرك، ثم أخبرني شقيق زوجته أنهم أخذوه إلى مستشفى بني مسوس، ثم أعادوه، ولكن لم طوَحوا به بعيدا ولم يسارعوا به إلى مستشفى قريب من منطقة سجنه ووضعوه تحت الرقابة الصحية المستعجلة؟ لا يدري أحد إلا من حرموه الرعاية الصحية...ثم، والكلام لشقيق زوجة الفقيد، لم لم نُبلغ بوفاته إلا بعد أيام من مماته؟ ثم لم يذكروا ملابسات وفاته في تقرير الطبيب الشرعي واكتفوا بوصف إجمالي لا يعكس حقيقة ما مرَ به من معاناة، خاصة أنه لم يكن يعاني من مرض عضال قبل اعتقاله؟ انفجر غاضبا محدثنا، متسائلا في استنكار ودهشة: "لم لم يبلغوا أهله بوفاته لحظة مماته؟ لم تأخروا عن الإبلاغ أياما؟"...مستدركا: "لن نسكت على هذا الإهمال، يريدوننا أن نصدق روايتهم، وهم رفضوا حتى الإفراج المؤقت عنه قبل هلاكه، ويعلمون بحالته المتردية..لن نسكت، دمه أمانة في أعناقنا، غادرنا في صمت وفي ظروف غامضة، وكان يموت ببطء في زنزانتهم وهم يتفرجون وكأن الأمر لا يعنيهم، وكأنه شيء من الأشياء وليس إنسانا يتألم وهم مُعرضون عنه"..ثم بكى وأبكى..

لم أتمالك نفسي عند رؤية ابنه الأوسط، بادرته جبرا لخاطره: "أبوك شهم، سُجن مظلوما وارتقى شهيدا (نحسبه كذلك والله حسيبه) في رمضان، لست وحدك، كل الشرفاء والأحرار معك، تجمل بالصبر، ولازم أمك وإخوانك"، قاوم دموعه، قبلت رأسه، وتصبر بالصبر الجميل وامتنع عن الشكوى وأظهر شجاعة التحمل، ثم أقبل شقيقه الأكبر، الابن البكر للفقيد، وهو في العشرين من عمره، عجز اللسان عن مواساته، بدا مذهولا مهموما لا يكاد يصدق ما يرى، الأب الذي كان ملء سمعه وبصره، وكانت رعايته له ولإخوانه تغمر حياتهم، وفجأة اعتقل هذا الأب قبل شهرين تقريبا، ثم بعد فترة تخبرهم الوالدة أن أباهم ساء وضعه في السجن، ويضعف يوما بعد يوم، ليفاجؤوا بفاجعة نزلت عليهم، أمس، أبلغوهم بوفاة أبيهم بعد موته في السجن بأيام؟؟ أظهر تماسكا، وما استطاع الحديث، حاولت التخفيف عنه بكلمات تهون مصابه: "أبوك شهم حر شريف لا يقبل الضيم، ولا يرضى بهذا البُؤس والظلم إلا عاجز رعديد، وذو النباهة لا يرضى بمنقصة ومذلة...الله الله في أمك، كن لها السند والعون ولإخوانك الأخ الرؤوف العطوف المألوف، ولا تكن في ضيق مما مكروا بأبيك، سينتقم الله له ولو بعد حين".

غادرته وصورة أقارب الفقيد المظلوم لم تغادر مخيلتي، ولسان حال ابنه البكر يصرخ في وجه السجان، مستنكرا: وماذا فعل أبي؟ أهذا الأب الذي نعرفه أم تحدثوننا عن أب آخر غير الذي كنا نعرف؟ ولم الاعتقال ابتداء، ولم يُعرف عنه لا نشاط صاخب ولا تحرك مريب، إنما هي كلمات يعبر بها عن رأيه على حسابه الذي لا يكاد يتابعه إلا قلة قليلة من الأصدقاء؟ ولم الإمعان في الحرمان من الرعاية الصحية، ولم الإهمال، ولم رفض الإفراج المؤقت...ولم ولم..بالله عليكم، هل لهذا الصنيع من اسم أو وصف، ماذا تسمونه، أخبروني، إن لم تكن هذه جريمة، فما الجريمة إذن؟ هذا الذي مات في زنزانتكم وتركتموه يموت وهو يصارع المرض في صمت، هل لمنا حدث له وما أُجرم في حقه نصيب مما تصفون به خصومكم السياسيين ومعارضيكم؟؟

قراءة 99 مرات آخر تعديل في الثلاثاء, 26 أفريل 2022 04:46