الخميس, 09 جوان 2022 18:32

عقل القرية لإدارة الدولة مميز

كتب بواسطة :

حظرت السلطة التعامل مع إسبانيا، والمتوقع أن تتعطل وتتجمد أعمال وتجارة ومصالح ناس وعمال....أيَ منطق هذا وأيَ عقل وأي سياسة وأي تدبير...أهؤلاء يديرون قرية أم دولة؟ هذا عقل قرية وليس عقل دولة.

حكى أحدهم عن والده قال إن والده في نهاية كل أسبوع ينزل مع عدد من أصدقائه أعيان القرية إلى حيث الدفء والهدوء، ويشوون خروفا، ثم يتحدثون في السياسة الدولية، وينتهون إلى أن سكان قريتهم هم خير سكان البلاد، بل هم خيرة العالم فهما وسياسة ورجولة وقوة ضاربة لا تُقاوم...وينتهي اللقاء إلى لقاء آخر غالبا ما تكون نتيجته هي نفسها! ليس هناك من مستبد يقبل سماع حقيقة أن الدكتاتورية ورأي شيخ القرية المتفرد بالسلطة هو ما أوصلنا لما نحن فيه من حال سيء ومستقبل مخيف...كل شيء يحيط بنا يتقدم ويتطور فيما عدا العقل القرويّ الذي يسيّر حياتنا ويتحكم في مستقبلنا...

وحتى لا نظلم القرى، فإنها كانت أسعد حالا من حكوماتنا، وذلك لوجود صيغ مشورة "ديمقراطية" فيها للوصول للصالح العام. ولكن لما فوجئ العقل القروي فوجد نفسه يحكم شعبا، فإن الهيلمان ربما تغير، ولكن العقل لم يتغير، واستمرت عقليته التي لا تثق إلا بسكان قريته وجيش المطبلين والمادحين والمتملقين والمنافقين.. وهذه هي الحقيقة المُرَة، فالقرار يتم على عشاء بين المقربين والموالين، وربما كُسرت العادة بأجنبي مقرّب، لكن المناقشة هي هي والنتائج نفسها.

ولم يحدث أن أتاحت بلدان الاستبداد مناقشة جادّة لمصيرها، لا سرية ولا مفتوحة، ولا يُطمح مع عقلية القرية أن يحدث نقاش نافع عام بأي صيغة برلمانية كما يتم في برلمانات العالم الناجح... عقل القرية صغير ومستبد يدمر ما حوله لينجو بنفسه أو بأقاربه...مأساة العقل القروي ودكتاتوريته التي منحته الظروف أنه يمنع نفسه من النمو ويحول دون تطوره بنفسه، ويمنع مجتمعه من صياغة أي حل للمآسي التي يصنعها، ولا يقدر على التراجع عن أخطائه، لأن الضعيف يتخذ قرارا ضعيفا، ويتورط فيه ولا يملك الشجاعة للخلاص منه.

تلك بعض الحقائق الواقعية في حال مجتمعاتنا حين نفترض ونطلب مواجهة العقل القروي للعقل الإمبراطوري، فلم يعد السياسيون المتبصرون يناقشون هذه الحقائق الملمة بنا، فالقرى و عقولها المحافظة لا تستطيع فهم و لا مواجهة العقول الإمبراطورية، وليس لديها تأسيس ولا مؤسسات ولا تسمح بالأفكار المنقذة أن تتدخل و لو كانت ستكون فعالة إلا في اللحظة الأخيرة للانهيار، ومع ذلك فهي تضمر وتستعد للغدر بالناصحين لأنهم أحرجوها يوما ما، وشرحوا لها وللعالم سوء حالها.

العقل القرويّ صغير وينتقم انتقاما صغيرا لأشياء صغيرة ومواقف مثلها، يجيد الكيد ولا يجيد الإستراتيجية. والشعوب المقهورة بهذا العقل لا تملك ولا تنفذ ولا تخطط لإستراتيجية لأنها تعاني من أثر العقل القروي الذي جعل من تكوينه ثقافة عامة.. العقل القروي يعاند ويكابر جدا، ولكنه يستسلم للخارج، ويتعالى على الداخل، ويكيد لسكان القرى المجاورة، ولمن يخالفه من جيرانه، فهو ضيق الأفق، وصغير الهدف، ولو ناطح الكبار. والكبار يعرفون تماما أنه ولو خالفهم فسيتبع، لأن ليس وراءه من شعب له رأي، بل رعاع وضاربو طبول..

قراءة 126 مرات آخر تعديل في الخميس, 09 جوان 2022 18:44