الأربعاء, 20 جويلية 2022 19:12

طغيان الانقلابي "قيس سعيَد"...حرب أهلية مُؤجلة مميز

كتب بواسطة :

تتجه تونس منذ انقلاب الصيف الماضي نحو الديكتاتورية، وقد كانت، إلى وقت قريب، قصة النجاح الوحيدة لثورات الربيع العربي. في جويلية 2021، أقال الرئيس قيس سعيد الحكومة وحل البرلمان، متذرعًا بصلاحيات الطوارئ، وهي خطوة انقلابية هزَت البلد. وكان المدافعون عنها، تعبيرا عن غضبهم وسخطهم من الوضع الاجتماعي المزري، يأملون في تحسن حقيقي في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

لكن الأشهر الفاصلة لم تظهر مثل هذا التحسن، بل على العكس، لم ير التونسيون إلا المزيد من التحركات نحو السيطرة الكاملة. بحلول سبتمبر 2021، انقلبت الاحتجاجات على سعيد وخطته لإلغاء دستور 2014 بعد الثورة. يدور الاستفتاء القادم حول مسألة الموافقة على دستور جديد يمنح سلطات هائلة للرئيس. وشهدت الأسابيع القليلة الماضية حضورا مكثفا من قبل "قيس سعيد" ودائرته الضيقة لحشد واسع لمؤيديه الافتراضيين والدعم الجماهيري المزعوم له، فيما كشفت الأحداث على الأرض أن الناس لا يدعمون سعيد، لكنه لا يستمع لأحد إلا لمن ينافقه ويتملق له ويرعى انقلابه. 

وعلى الرغم من حقيقة أنه خرج شخصيا لدعوة مؤيديه المفترضين للنزول إلى الشوارع، إلا أنه فشل في إقناع التونسيين بدعمه، مما جعله يلجأ إلى تزوير إرادتهم في استشارته الإلكترونية الفاشلة (عقدت في يناير 2022). في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الأخيرة، كان يثق به قطاع عريض من الشباب التونسي والعاطلين عن العمل، لكنه سرعان ما نسي هذه المجموعة الداعمة، كما أن الغالبية العظمى من الأحزاب التي دعمته في الجولة الثانية من التصويت كانت من محاربة الفساد والدفاع عن قيم الثورة. 30٪ ممن صوتوا لسعيد كانوا من أنصار حركة النهضة، ثم انقلب على الجميع.

ويبدو أن الشارع السياسي في تونس يزداد إصرارا على استعادة ديمقراطيته الفتية المسروقة.. وليس هناك شك في أن انقلاب سعيد ما كان ليكون ممكنا لولا امتثال بعض مؤسسات الدولة وبعض نخبها الذين كانوا أيضا ضحايا دعايته الكاذبة. وربما أدرك الجميع تقريبا، اليوم، أن الانقلاب كان خطأ يجرم كل من يدعمه، خاصة مؤسسات الدولة المهددة الآن بشكل جدي بتفكيكها من قبل "سعيَد"، إلى جانب النخب السياسية، التي ربما أغراهم بهامش التحرك والسلطة الممنوحة لهم، لكنهم الآن يجدون أنفسهم مستهدفين من قبل المغتصب نفسه، إذ إن انقلاب "قيس سعيد" يستهدف جميع الكيانات السياسية والمدنية المستقلة، و لا يمكنه قبول أي سلطة أو إرادة للاستقلال عنه. وتقف القوة الصلبة للدولة: العسكر والأمن، وراءه، وهذه أمَ المعضلات، كل تجاربنا في العقود الأخيرة اصطدمت بها، لم تجد لها الأمة حلاَ منذ قرن من الزمن.

لكن من جانب آخر، الأحزاب السياسية مسؤولة عن هشاشة الديمقراطية في تونس، وهو الضعف الذي مهد الطريق للتيارات الفاشية والشعبوية الراديكالية، وسهَل على الانقلاب تنفيذ خطته التي تضمنت استهداف مجلس النواب وتعليق نشاطه بغلق بابه بالدبابة. ثم إن بعض الأنظمة العربية رأت في تجربة التحول الديمقراطي في تهديدا لسلطتها الحاكمة، فهي تمثل مصدر ضغط وتمييز عن النموذج القديم.

ومن الواضح، هنا، أن الانقلاب ما كان مُمكنا لولا تربص أطراف إقليمية لا علاقة لها بتونس ومصالحها ومستقبلها وأوضاع شعبها، وإنما تتعلق بتوسيع الصراعات بين القوى الإقليمية والدولية، بدءا من اليمن ومصر وسوريا وليبيا، ثم في نهاية المطاف تونس، وربما أتاح ضعف المشهد السياسي لهذه القوى طريقا مفتوحا للتغلغل في الديمقراطية التونسية تخريبا وتفكيكا، والانقلابي "قيس سعيد" هو انعكاس لتوسع صراع المحاور في مناطق الصراع هذه.. وربما وجدوا في "قيس سعيد" واجهة لمخططهم التخريبي، فهو شعبوي متغطرس مسكون بجنون العظمة يستهويه النفخ..

فهل تغيَر "سعيد"؟ لا يبدو أنه تغير، ولكن الطبقة السياسية لم تكن تعرفه وحاله يجهله كثيرون، وهذا كان خطأ من دعمه، ومن أبرزهم حركة النهضة، إذ لم يكن عليهم أن يدعموا مجهولا، وأخطأوا ثانيا بالصبر على انحرافاته وتعطيله لعمل الدولة، واختاروا محاورته، وهو الذي كان يتربص بهم الدوائر أو كان واجهة للدوائر المتربصة. وها هو الانقلابي "قيس سعيد" يقود تونس، اليوم، إلى ظلمات المجهول والهاوية...يُشعل الوضع ويزيده التهابا....تربص محور الثورات المضادة بتجربة الانتقال الديمقراطي في تونس الدوائر حتى تسلَلوا إلى قصر قرطاج واخترقوا أسواره ونفخوا في مرشح مغمور وأوصلوه إلى سدة الحكم، وفي لحظة معينة انقضوا على التجربة التونسية وعطلوا الدستور وأغلقوا البرلمان وحاكموا الساسة المناهضين للانقلاب، وواجهتُهم في هذا المخبول الباهت "قيس سعيد"... الاستبداد يسرق الوعي ويقتل الضمير وينفخ في العصبيات ويحيي النعرات ويشعل الفتن...وأصل الفتنة وجذرها هو الاستبداد، والسبب المفضي إليها، إنه حرب أهلية مؤجَّلة، وبركان كامن مشحون بالأحقاد والانتقام...

قراءة 103 مرات آخر تعديل في الأحد, 24 جويلية 2022 20:03