الأربعاء, 10 أوت 2022 19:32

الانغلاق في مربع "العسكرة"...الخضوع للروس ليس اصطفافا مميز

كتب بواسطة :

أعلن المكتب الصحفي للمنطقة العسكرية الجنوبية الروسية ، الثلاثاء ، أن مناورات مشتركة بين روسيا والجزائر لمكافحة "الإرهاب"، تسمى درع الصحراء 2022 ، ستجرى في الجزائر لأول مرة. ومن المقرر أن تعقد المناورات في نوفمبر القادم، وبحسب وكالة الأنباء الروسية تاس، فإن التدريب سيجرى في الجنوب الغربي، وأوضحت الخدمة الصحفية أن التدريبات ستضم 80 جنديا روسيا من وحدات الرشاشات الآلية المتمركزة في شمال القوقاز، و80 جنديا جزائريا، وستتدرب القوات على البحث عن "الجماعات الإرهابية" وكشفها والقضاء عليها في المناطق الصحراوية. وجرت أول مناورات روسية جزائرية مشتركة في أوسيتيا الشمالية في أكتوبر 2021 بمشاركة 200 جنديا.

أما الحديث الإعلامي المُتداول عن طائرات Sukhoi 57 (وهي أول طائرة روسية تستخدم تقنية إخفاء الهوية) التي لم تبعها روسيا بعدُ إلى أي دولة أخرى ما عدا الجزائر، في صفقة تزيد قيمتها عن 7 مليارات دولار هي الجزائر، فيظل حبيس التقارير الصحفية والتقديرات، ولا تحرك حقيقي، حتى الآن، لإنجاز هذه الصفقة، وبعض المراقبين يرونها من قبيل التحذير والحرب النفسية الدعائية.

وقد اختارت السلطة، الآن، الاصطفاف مع المحور الروسي، بما يستفز المحور المنافس ويرى فيه تهديدا، ووضعت أوراقها في سلته على الأقل في الفترة الحالية، لكونها لا تثق في المحور الأمريكي الغربي، ولا تكاد تتخفف من ضغوطه و"إزعاجه" السياسي والحقوقي، وترى في روسيا حليفا عسكريا مضمونا، والكرملين لا تحفَظ لديه على أي من خيارات السلطة القهرية، بل هو أكبر داعم خارجي للخيارات القمعية التسلطية، بما ينسجم مع النموذج الروسي الشمولي المُنغلق في التدبير السياسي وإدارة الشأن المحلي.، وروسيا تستخدم حليفها "الوفي" الجزائر في صراعها مع الغرب وتعزيز طموحاتها في تحقيق "حلم القوة الجيوسياسية".

وفي السنوات العشر الماضية، ثمة بروز في روسيا في ظل سيطرة بوتين وإحكام القبضة الأمنية، هوس بالتاريخ والحدود من جهة، ومن جهة أخرى بفكرة أن عالما جديدا متعدد الأقطاب آخذ في التبلور، وأن العجلات الكبيرة تدور، وأن الغرب في حالة انحدار وسيكون هناك توازن قوى جديد في العالم لصالح روسيا، واصطفاف السلطة مع روس، في جانب منه، تغذية لهذا الشعور المتنامي داخل روسيا وربما مسايرة لهذه القراءة التاريخية لموازين القوى العالمية، وهي مبالغ فيها يغلب عليها الأمانيَ والرغبات أكثر من الحقائق.

وثمة اعتبار آخر في الاصطفاف، وهو أنهم لا يتحملون ولا يقوون على إقامة علاقة متوازنة، مثل تركيا، فهذا يتطلب قدرا من الاستقلالية والشرعية الداخلية والاكتفاء الذاتي والاقتصاد والفكرة المُلهمة، ولهذا رأوا في روسيا الملاذ الآمن في مواجهة سلطة المخزن المصطفة مع المحور الأمريكي الصهيوني، لتعزيز منطق العسكرة والتوظيف السياسي المحلي، وهنا تجدر الإشارة إلى أنه ليس ثمة أخطر من سياسة خارجية تُنسج خيوطها انطلاقا من اعتبارات سياسية داخلية، وليس انطلاقا من رؤية وإستراتيجية.

في صراع المحاور والنفوذ بين قوى الشرق والغرب اختار الحكم الفعلي، حاليَا، معسكر بوتين...ولا يبدو أن ثمة ما يمكن الرهان عليه أو الحديث عنه خارج الاصطفاف العسكري ولعبة المحاور، فاللعب في الملعب الروسي هو الفكرة المهيمنة على الحكم الآن، ولا يملك في السياسة والاقتصاد والاجتماع أي تصور أو خيار يمكن تسويقه أو الاعتماد عليه، ولا حتى الحديث عنه، والحكومة الضعيفة تلجأ دائما للتضييق على الشعب لتغطي على عجزها وفشلها، إذ يرون في القسوة تعويضا عن الضعف، وهنا الخطر الحقيقي الذي يتهدد الوطن وكيان الدولة والبلد أن ليس ثمة رؤية خارج العسكرية والاصطفاف والخيارات العسكرية، وهذا دليل ضعف وهزال وهشاشة، ممَا يُغري الطرف الأجنبي بالتمدد وسياسة الاستتباع والاستلحاق، وهذا ضرره كبير على الأمن القومي ومستقبل البلد السياسي والإستراتيجي.

قراءة 588 مرات آخر تعديل في الأربعاء, 17 أوت 2022 14:32