طباعة هذه الصفحة
السبت, 20 أوت 2022 15:26

حرائق ومآسي القالة....يا لهول الفاجعة مميز

كتب بواسطة :

مأساة القالة لم تبدأ بنشوب الحرائق ولن تنتهي بإخمادها، قصتها مرتبطة بسياسات ما بعد الاستقلال، عشعش فيها الفقر، بل في ولاية الطارف كلها، أهلها مزارعون بسطاء ومربو مواشي، عضهم الحرمان بأنيابه، طال ليل فقرهم واحكم قبضته، تبدو مناطقهم الخلابة الساحرة تعيسة شاحبة، أناس كرماء على قلة ذات اليد....

مزارعهم قلَ إنتاجها وليست إلا مواشيهم تملا عليهم حياتهم البطيئة الهادئة، ولا تدبَ الحركة في عالمهم الصغير إلا في الصيف، لم يروا مسؤولا قط اقترب من وضعهم ولامس مآسيهم، عندما يمر أحدهم من مناطقهم ينتظرونه انتظار السراب، حتى عندما اجتاحتهم الحرائق مؤخرا، اختاروا ممثلا عنهم ليتحدث عن خسائرهم، أعدَ موكلهم ما يقول بإيجاز حتى لا يضيع وقت المسؤول الرفيع، فلا تتسع زيارته إلا للتصوير والمغادرة. مرَ كأن لم يرهم وعادوا من حيث أتوا وقد أرخى البؤس والإحباط عليهم سدوله وتبخرت أحلامهم بلقاء المسؤول ليقصوا عليه ما فعلته النيران في أرزاقهم.

قال لي أحد المزارعين متأثرا وقد فقد حوالي 40 رأس غنم إلتهمتهم النيران: لم نجد حتى من يسمع قصتنا مع الحرائق، لم يتغير وضع الطارف منذ الاستقلال، لم يشفع لها حضورها، إسنادا وإمدادا، في الثورة التحريرية، ولا عرفت انتعاشا في أي فترة على الرغم من أن أحد كبار المسؤولين الراحلين ابن المنطقة. دخل الفريق التطوعي لجمعية "جزائر تضامن" القالة المنكوبة بعيد صلاة الجمعة، أمس، مررنا بمدينة الطارف، حشروها في صندوق الظل والهامش المُظلم منذ الاستقلال وأحكموا الغلق... آثار الحرائق الأخيرة بادية على جانيي الطريق المؤدي اليها، الرماد يحيط بها من كل جانب..

القالة الجميلة الرائعة اللوحة الطبيعية البديعة اجتاحتها النيران، التهمت غاباتها ومزارعها وحاصرت بركتها المائية الساحرة "المالحة"...فُجع السكان في مصدر رزقهم الوحيد، الرماد يلفح وجوههم، المآتم طافت على بيوتهم، وحديث الحافلة التي غمرتها النيران وحولتها أثرا بعد عين حاضر في كل المجالس، ولم ينج من لهيبها وحريقها إلا شخص واحد لا يكاد يصدق أنه حي يرزق، ما زال في حالة ذهول.. ربما اتفقت أكثر الروايات من أهالي ضحايا الحافلة الرماد على ان من كان بداخلها لم تظهر لجثته أي أثر حتى الآن وعدوه من المفقودين، ومنهم زوجة وأخت أحد المزارعين الصابرين المحتسبين، قال لي وهو يشهق بالبكاء: فقدت الزوجة والشقيقة والزرع والضرع، مكشوف الظهر بلا سند، والحمد لله ان ابقى الله لي الأبناء، وكل رجائي أن أعثر على الجثتين لأدفنهما، وما زلت ابحث عنهما ولم اعثر على اي اثر.. من حاول النجاة ورمى ينفسه خارج الحافلة التهمته النيران وعثر على جثته ودفنوه، ومن عجز عن الهروب، وهم من النساء، لا اثر لجثته داخل الحافلة، فهل استحالوا رمادا؟ لا احد يعلم حتى الان..

عند مدخل القالة، استوقفتنا جلبة على جانبي الطريق، سارع الى مجموعة من الشباب ينادي بعضها على بعض بجلب الماء، ماذا حدث؟ حريق شب مجددا في إحدى الغابات، وهبوا لإطفائه، كلَ منهم يحمل دلو ماء في سلسلة تمتدَ إلى أعمال الغابة. التحق فريق التطوع التابع لجمعية جزائر تضامن وطاردنا معهم الجمرات الملتهبة، وشباب المنطقة يسابق الزمن لإخماد الحريق بالوسائل المحدودة المتاحة وأقدامهم تغص في أكوام الرماد..

لله در هؤلاء الشجعان البواسل لم يضيعوا وقتهم في انتظار شاحنات الإطفاء، انتشروا سريعا لمحاصرة النيران وإخمادها، وسحب الدخان المنبعث من الرماد تحجب الرؤية ويضيق التنفس.. قادنا أحدُ أبناء المنطقة وناشطيها إلى مكان تجميع الإعانات في بناية تابعة لبلدية القالة، وليس هذا من عادة الجمعية ولا مسلكها في توزيع المساعدات، حدثه مسؤول قافلة التضامن أن الجمعية مُستأمنة على ما جمعته من الميسورين والمتبرعين، وتعهدنا لهم بإيصالهم للمتضررين يدا بيد، تفهموا موقف فريق الجمعية، وتواصلنا بعدها مباشرة مع أحد أعيان المنطقة المشهود لهم بالصدق ويحظى باحترام وتقدير السكان..

عمي "زيدان" الستيني النشط المثابر يعرف المزارع والأماكن المتضررة بدوار "برابطية" بيتا بيتا...تعجبت لسرعة بديهته وسعة اطلاعه على أوضاع المنطقة المتضررة وما جاورها...سألنا: ما المطلوب مني؟ أجبناه: نريد أن نتفقد المزارع والبيوت المتضررة ونلتقي أهالي الضحايا...أغلق على الفور محله ورافقنا إلى حيث سألناه...حقا وصدقا: معرفة الرجال كنز..همة عالية وذهن وقاد..طاف بنا المكان كله...لم يترك بيتا متضررا إلا وزرناه، وأوصلنا الأمانات إلى أهلها، وفي كل حالة يقدم لنا مختصرا عن وضع العائلة الاجتماعي وحجم الأضرار.. "لا تغفلوا عن أمر مهم، سنتفقد دوار "برابطية" فقط، هناك مناطق أخرى متضررة في القالة، ومنها عين العسل وعلى جانبي الطريق المؤدي إلى مدينة الطارف، لكن هذا الدَوار هو أكثر المناطق المنكوبة بجائحة الحرائق، وأغلب الضحايا من سكانه.."، هذا تنبيه مهم من عمي "زيدان" دليلنا الوفي الأمين، فلم نتمكن من تفقد كل المناطق المتضررة من حرائق ولاية الطارف، وما جمعناه من مساعدات وإعانات مالية نفد، هذا فضلا عن تفقد مناطق الضرر في ولاية سوق اهراس..

سارعنا الخطى للالتحاق بعمي "زيدان"، جادَ في مهمته، لا يجامل، عملي ، يتقدمنا في زيارة البيوت وتفقد العائلات، يعرفنا بأهل الضحايا ويترك لنا المجال بعدها للسؤال والحديث إلى المنكوبين وتوزيع المساعدات.. "عمي زيدان نريد عن نوزه ما جمعناه على كل ضحايا الدوار، أرجوك حاول استحضار كل الحالات"...رد علي بلغة الواثق: "لا تقلق، وهل ينسى أحدنا أهله وأحبابه وجيرانه، وقد عشنا معا متجاورين عقودا من الزمن"...بدأنا بزيارة عائلة أحد ضحايا الحافلة المفحمة التي انتشرت صورتها على جانبي الطريق في دوار برابطية...تقاطر عليه المعزون، حدثنا عن مصابه الجلل، فقد ابنته الثلاثينية: "تعبت في حباتها، وعاشت محرومة، والتهمتها النيران، استرد الله أمانته، وأبقى لي أبناء آخربن، والحمد لله على قضائه وقدره...".

وانتقلنا إلى بيت عزاء ثان قريب من الأول، إذ كل ضحايا الحافلة تقريبا من دوار واحد..هذا المكلوم المفجوع فقد زوجته وأخته في الحافلة ولم يعثر على جثتيهما إلى الآن..واحترقت مزرعته، فكانت مصيبته في الفقد أكبر، ولا يدري ما يفعل... ثم زرنا شقيقين فقد كل ابنه في زهرة شبابه...وهكذا إلى أن أكملنا تفقد عائلات كل ضحايا الحافلة، ووزعت الجمعية على كل عائلة منهم إعانات مالية ومساعدات..تخفيفا لمعاناتهم ومواساة لهم في مصابهم الجلل...

"الآن، لننتقل إلى المزارع الأكثر تضررا، وتحديدا مزرعة الشهيد احمد بوستة بدوار برابطية دائما.."...مزارع واسعة متجاورات، ملاكها فلاحون ومربو مواشي...هي أرضهم وخراجهم وعالمهم الخاص...الحاجة لها 3 أبناء و5 بنات، كانت تتولى رعي الأغنام وابنها البكر كلفته برعاية الأبقار، وبستانها مُثمر، اجتاحت النيران مزرعتها فأتت على الأخضر واليابس والزرع والضرع...50 رأس غنم التهمها الحريق مع أبقارها، فلا ترى في مزرعتها إلا ركام الرماد والماشية المتفحمة..."الحمد لله، لم تلتهم النيران أبنائي...من لطف الله بنا اخذ منا الزرع والضرع وترك لنا الولد...حاولت إنقاذ غنمها لما داهمتنا النيران..كنت اركض وأنا العجوز الهرمة أهش على غنمي للهروب لكن النيران كانت أسرع، فأنقذت نفسي بأعجوبة وتركت الغنم لمصيرها...فبينما التقط أنفاسي إذ بابني البكر يُقبل علي فزعا مفجوعا: أماه التهم الحريق البقرات...وأشارت إليها في مكان قريب وهي مرمية متفحمة...

ويمكنك رؤية نفوق العشرات من المواشي على امتداد المزارع. اقترب منا أحد المزارعين المنكوبين، وارانا مصارع الماشية لكل مزرعة، مهموما مكسور الخاطر حزينا..وروى لنا قصتهم مع المزارع: "تكبدنا الصعاب في هذه المزارع، عشنا طفولتنا وهرمنا في جنباتها، سلخنا أعمارنا في رعايتها والقيام عليها، لم نر مسؤولا، فضلا عن الاقتراب منه لبث شكوانا، عانينا طويلا، وفقدنا كل ما نملك في خذا الحريق الهائل...ابني الذي يرعى المزرعة مصدوم، معزول في غرفته، يعجز عن الكلام...وكل ما نرجوه الاهتمام من السلطات المعنية، وإلى الآن لم يسمح لنا بالاقتراب من أي مسؤول...مر علينا احد كبار المسؤولين اخترنا من ينوبنا للحديث إليه، وكانت الصدمة كبيرة عندما مر في موكبه من دون أن يتوقف...". وينادي على فلان صاحب المزرعة ويقبل علينا ويروي ما حدث له ومأساة خسائره...زروع ومواشي ومعدات...مزارع وبساتين غناء صارت رمادا كأن لم تكن، الكل مذهول لا يدري ما يفعل ....

سارع فريق الجمعية إلى تخفيف المصاب بعد أن تجمعت العائلات في مزرعة الحاجة، قدمنا مساعدات وإعانات مالية، وازدحم ذوو الحاجة وكل سقتني ما يسد حاجته ولو لبعض الوقت...منسق الجمعية الأخ "ياسين ابو أنس" يتواصل مع بعض المحسنين لتبيان هول الصدمة والفقد والأضرار، لعل منهم منيتعهد بالتكفل بتعويض بعض الخسائر، دليل الجمعية عمي "زيدان" يحصي العائلات المتضررة...إنما هو جهد المقل وخسائرهم اكبر من قدرة جمعية وإنما هو الحض على الإنفاق والتعريف بمأساتهم ومواساتهم ببعض الدعم...تهلَلت وجوه عائلات المنكوبين بما قدرنا على جمعه وتوزيعه...رفعت الحاجة يدها إلى السماء تجأر إلى الله وتبث شكواها وحزنها إليه وأبناؤها محيطون بها وقد استبد بهم الحزن، ودعت بالخير والبركة للمحسنين ومن أعان على جبر خواطرهم وتهوين مصابهم..

غادرنا مجمع المزارع، واعتذرنا لهم لقلة ذات اليد، وانتقلنا سريعا إلى أصحاب البيوت التي اجتاحتها النيران وأظلمتها والتهمت متاعها وأثاثها، وجعلتها خاوية....وزعنا الأفرشة والأغطية وبعض الإعانات، وهم يترقبون مزيدا من المدد والعون والمساعدات علَه تخفف عنهم وحشة الرماد والبيوت المقفرة.. لم يبق فيما جمعناه من مساعدات إلا أدوية معالجة الحروق والمواد الصيدلانية وبعض المعدات الطبية، مرَ بنا عمي "زيدان" سريعا على عائلة فقيرة متضررة، الأم العجوز لا تكاد تسمع ولا تبين ومقعدة، فاجأناها بكرسي متحرك فاصطف أبناؤها وبناتها وأحفادها مهنئين لها تغمرهم الفرحة والعجوز تبكي وتلهج بالدعاء...

ثم كانت الوجهة الأخيرة إلى مستشفى القالة، وصلناه ليلا، اتصلنا بقسم الجروح والولادة، وشرحت لنا طبيبة ورئيسة المصلحة الوضع وما يعانونه من نقص في الأدوية المعالجة للجروح وعطل في بعض اجهزة تحليل الدم، ويضطرون للانتظار فترة طويلة ليأتيهم التقني من العاصمة ليصاح خلل الجهاز قاطعا مسافة 700 كلم، فليس في ولاية الطارف من يتولى الصيانة ولا في الولايات المحاورة، قاموا بإحصاء ما جمعناه لهم وقسموه بين قسم الولادة ومصلحة جراحة الحروق...وقد أرسلوا إلى مستشفى ابن رشد بعنابة بعض الحالات الخطرة.. وروى لنا بعض الناجين من حديقة حيوانات القالة مآسي الضحايا من المصطافين من بعض ولايات الشرق، أدركتهم النيران وهم يحاولون القرار بجلدهم بعيدا عن الحديقة، نجت الحيوانات داخل أقفاصها واحترق زوارها من المصطافين عندما غادروها فرارا، ولم يجدوا من يوجههم المكوث في الحديثة وكانوا داخلها في مأمن لكنهم أجانب عن المنطقة وباغتتهم النيران....رحمة الله عليهم أجمعين.

مآسي حرائق القالة شاهدة على هول الفاجعة، ولم يروا مثلها قط منذ زمن بعيد، المنطقة فقيرة بائسة وزادتها الحرائق عزلة وبؤسا وهم في انتظار من يخفف عنهم مصابهم..

قراءة 160 مرات آخر تعديل في السبت, 20 أوت 2022 15:36